Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 5) — Page 335
الجزء الخامس ٣٣٥ سورة مريم فثبت أن بيان القرآن الكريم أقرب إلى الصواب، رغم كونه مخالفا لما ورد في روايات الكتاب المقدس. إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَأْبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا تاء، التفسير: اعلم أن يا أبت هو في الأصل "يا أبي"، فأبدلت ياء المتكلم حيث تقول العرب: يا أبي، ويا أَبَت. أما قوله تعالى ما لا يسمع ولا يُبصر فيبين أن السمع والبصر من أهم صفات الله تعالى، أما الصفات الأخرى فهي تابعة لهما. فلولا أن الله تعالى سميع وبصير لما بقي على وجوده برهان يمكن مشاهدته فإن أكبر دليل على وجود البارئ تعالى إنما هو استجابته أدعيتنا، حيث ندعو الله تعالى يا ربِّ حقق لنا أُمنيتنا كذا، فيتحقق ما نريد، فنعرف بذلك أن الله تعالى موجود. أما إذا لم يثبت أن الله تعالى يسمع ويرى فلا يمكن للبشر الاتصال به إذ لا يمكن الاتصال بالغير إلا بطريقين اثنين: إما الأذن أو بالعين؛ فالإنسان يدرك بسماع صوت أحد أنه في حاجة إليه، فيأتيه لمساعدته، أو أنه يرى أحدًا فيدرك أنه في مصيبة، فيسرع إلى نجدته. فلا يمكننا تقديم البرهان على وجود إله هو على صلة مع البشر إلا إذا كان الله الموصل وفا بصفة السمع والبصر. وهذا هو البرهان الذي يذكره إبراهيم اللي هنا على بطلان عبادة الأصنام، فيقول يا أبت لم تعبُد ما لا يسمع ولا يبصر؟ أي ما الجدوى من عبادة الأصنام العارية من هاتين الصفتين؟ ثم يقول ولا يُغني عنك شيئًا. يقال "ما أغنى فلان شيئًا: لم ينفع في مهم ولم يَكْف مَؤُونةً" (الأقرب). فمثلاً لو كان على المرء دين، فدفع غيره دينه نيابة عنه، أو لو كان هناك مريض فسعى أحد لعلاجه، فإنه قد أغنى عنه، وكفاه في حمل هذا الثقل. فيقول إبراهيم لأبيه إن هذه الأصنام لا تغني عنك شيئًا، ولا يمكن أن تحمل عنك أي حمل ولا ثقل، فما الفائدة من عبادتها؟