Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 5) — Page 9
الجزء الخامس سورة مريم إذًا، فإن نزول سورة مريم تَضمّنَ في طياته نبأ يقينيًّا بالهجرة إلى الحبشة، حيث الله المسلمين أنكم ستذهبون عن قريب إلى مكان تواجهون فيه النصارى، فعليكم بمعرفة عقائدهم. وكانت هذه إشارة بالغة الأهمية لم يفهمها المسلمون الذين أتوا فيما بعد، بينما فهمها المسيحيون، حيث نجد "ريورند "ويري والسير وليام ميور" يبذلان قصارى جهدهما ليثبتا أن سورة مريم لم تنزل في السنة التي نزلت فيها في الواقع. يا ترى، ما للمسيحيين ولهذه السورة سواء نزلت في السنة الرابعة أو الثامنة؟ إذا كان مضمونها يبطل المسيحية فنزولها في السنة الرابعة أو العاشرة سواء للمسيحيين؛ ولكنك تجدهم يبذلون كل ما في وسعهم ليثبتوا أنها لم تنزل قبل الهجرة إلى الحبشة؛ ذلك لأنهم أدركوا أنه لو ثبت نزولها قبل هذه الهجرة لكان برهانا ساطعا وحاسمًا على أنها كانت تنطوي على نبأ الهجرة إلى الحبشة ووصول دعوة الإسلام إلى البلاد المسيحية. هذا هو الأمر المحرج الذي أصابهم بالذعر والقلق. فبما أنهم لا يألون جهدًا في أن يثبتوا زعمهم أن القرآن خال من أي أنباء فسعوا لإيجاد سبيل للخروج من هذه المعضلة، لأنهم لن يجدوا جوابا إذا سألهم المسلمون وقالوا: أخبرونا أيها النصارى، لماذا لم يتطرق القرآن إلى موضوع المسيحية أمام المشركين طيلة ثلاثة أعوام، فلم يتحدث عن تعاليمها، ولا تاريخها ولا عقائدها الخاطئة؛ ثم فجأة ودفعة واحدة تنزل سورة كاملة، تنبئ المسلمين بظهور أحداث مفاجئة ستؤدي إلى المواجهة بين المسلمين والنصارى، فيخرج الإسلام لمقاومة المسيحية إلى بلاد تقع تحت النفوذ المسيحي؟ ألا يكشف ذلك أن الله تعالى هو الذي أخبر المسلمين سلفا بهذه المواجهة الوشيكة بين الإسلام والمسيحية؟ إن الجواب على هذا السؤال كان صعبًا وشاقًا على المسيحيين فسعوا كل السعى ليبطلوا هذه المعجزة القرآنية العظيمة بإثبات أن هذه السورة لم تنزل قبل الهجرة إلى الحبشة. فما كان منهم إلا أن تظاهروا بأنهم علماء وأساتذة، فزعموا أن في كلمات هذه السورة وأسلوبها دلالة على أنها نزلت بعد الهجرة إلى الحبشة (تفسير القرآن لـ "ويري")؛ وذلك رغم كونهم جاهلين بأساليب اللغة