Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 4) — Page 346
٣٤٦ سورة النحل الجزء الرابع الآن الإذعان لهذا النظام دومًا، وإلا ستزول هيبة الإسلام التي توطدت بسبب تضحياتكم، وستضطرون لبذل الجهود من جديد لنشر هيبة الإسلام مرة أخرى. والحق أن القرآن قد بين هنا حكمة سياسية عظيمة. إن الفرقة بين بضعة أفراد من القوم يقضى على النظام كله فيذهب كل ما كسبه القوم سدى؛ وإقامة النظام مرةً أخرى يتطلب بذل جهود وتضحيات جسيمة من جديد، ومع لا يكون الأمر كما كان في الأول، لأن الثوب المرقع لا يكون كالجديد، ولأن القلوب إذا تنافَرَ ودُّها فمثلُ الزجاجة كسرها لا يُجبر. لذا هناك حاجة ماسة لبذل جهود مستميتة للوفاء بهذا العهد. ذلك كما يتضح من كلمات هذه الآية أنها تتحدث أيضا عن الاتفاقيات التي تتم بين المسلمين والأمم الأخرى؛ وبالنظر إلى هذا المعنى يمكن اعتبار الآية موضوعًا مستقلاً جديدًا، وهو أنه كما لا بد من مراعاة ما يعقده الإنسان مع الله عل أو الأمم مع قومه من عهود، كذلك لا مناص له من الالتزام بالمعاهدات التي تتم مع الأخرى، وإلا سيدمر سلام العالم وستعم الفوضى كما تشير إلى ذلك كلمات دَخَلاً بينكم وكالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكانًا. ونظرًا إلى هذا المفهوم يمكن أن تفسر الآية بما يلي: 1- لا يجوز لكم أيها المسلمون أن تعقدوا الصلح مع قوم لا تقدرون على كسر شوكتهم، وفي نيتكم أن يطمئنوا جانبكم نتيجة هذه الاتفاقية، فإذا اطمأنوا أعددتم لهم عُدتكم في الخفاء ودمرتموهم على حين غفلة منهم. كانت ولا تزال مثل هذه التصرفات تقع في العالم السياسي، ولكن أحكام الإسلام مبنية على العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، فإنه يكره مثل هذه التصرفات وينهى عن إتيانها ولو كانت ضد عدو لدود للإسلام. ٢- لا تعقدوا اتفاقية مع شعب ضعيف بحجة المساعدة، وغرضُكم الأصلي أن تستولوا على مقادير بلادهم، وذلك كما تفعل الدول الأوروبية في هذا العصر.