Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 3) — Page 444
الجزء الثالث ٤٤٤ سورة يوسف البشرية لا تقدر على شيء دون رحمة الله، أي دون شرعه وهديه وفضله ، بل إنها لا تنفك تأمر صاحبها بالسوء مرة بعد أخرى، وإنما هو نور الإلهام والوحى الذي يأخذه إلى الصراط المستقيم. تلو "1 لقد صرّح القرآن في موضع آخر: (الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ أي أن كلام الله تعالى إنما يترل بسبب صفة الله الرحمن. فقوله إلا مَا رَحِمَ رَبِّيَ إشارة إلى الرحمة الإلهية والمعنى أن الفطرة الإنسانية إذا لم يصحبها الوحي الإلهي تصبح كمن يمشي على قمة جبل في ليلة حالكة السواد، فتبقى الفطرة محاصرةً بأنواع الأخطار وترتكب خطأ. أما إذا طلعت عليها شمس الوحي فعندئذ فقط تنفعها عيونها الباطنية. ولقد ذكر القرآن الكريم حالتين أخريين للنفس البشرية؛ الأولى النفس اللوامة حيث قال وَلا أُقْسِمُ بالنَّفْسِ اللُّوَّامَة) (القيامة (۳). والثانية النفس المطمئنة المذكورة في قوله تعالى: يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةٌ الفجر ۲۸ و ۲۹. فالمراد من النفس الأمارة بالسوء الحالة البدائية للنفس البشرية عندما لا تكون قد ذاقت طعم الوحي الإلهي، ولا تكون وارثة لفضله. واعلم أن الآية لا تعني أبدًا أن النفس البشرية تعلّم صاحبها السوء والشر دومًا، لأن القرآن قد دحض هذا الزعم في نفس هذه الآية بقوله: إلا مَا رَحِمَ رَبِّي، كما وليس المراد منها أن الإنسان يولد ،آثما، إذ ليس الحديث عن ولادته، وإنما عن حالته بعد الولادة عندما تعلق به شوائب الدنيا الدنية. أما حالته عند الولادة فقد وصفها الله قائلاً: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. . أي أننا نُقسم بالنفس وبما خلقناها عليه من جمال وكمال. فالواقع أن الله تعالى قد خلق نفس الإنسان بفطرة بريئة من أي عيب وإثم، ولكنه عندما يأتي إلى الدنيا يلوثها بتأثير الآخرين، أما إذا لم يعرضها للتلوث تبقى بريئة سليمة من العيوب والنقائص. وبالاختصار فإن الآية لا تذكر حالة نفس الإنسان عند ولادته، وإنما تتحدث عما تكون عليه بعد أن تشوبها شوائب الدنيا. أما قوله إلا مَا رَحِمَ رَبِّيَ فتقديره : إلا النفس التي رحمها ربي فإنها لا تأمر