Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 400
فهم لما يرددون، ويحسبون أن هذا يكفيهم لنجاتهم. والواقع أنهم لم يسمعوا القرآن ولم يقرأوه، وإنما سمعوا أنغام القراءة ونظروا في بعض السطور المرقومة. إن القرآن الكريم اسم للمضمون الذي تنطوي عليه كلماته، ومن لم يقرأ هذا المضمون مدركًا أنه هو المراد من الكلمات فلم يقرأ القرآن. ومن لم يفهم هذا الكتاب الذي أنزله الله تعالى لهداية العالم فأنى له أن يدعي الإيمان بدين صادق؟ إنني لا أقول أن من لا يعرف معاني القرآن فعليه ألا يقرأه، لأن مثل هذه القراءة، على الأقل، تذكره بغايته؛ ولكني أقول: من الضروري أن يجدوا في قلوبهم رغبة لفهم معانيه، وأن يحاولوا تعلمها وما دامت هذه الرغبة موجودة والمحاولة جارية. . فلا شك أنهم سوف يعدون عند الله من الناجين. أما إذا كانت الرغبة مفقودة والمحاولة معدومة فكيف يرضون تعالى بمحض أمانيهم؟ الله من قول الله ومن معاني الأمنية الكذب. . فيكون المراد من الآية أن اليهود من الأميين الذين لا يعرفون عن كتبهم إلا الكذب. لا يعرفون معاني كلام الله تعالى ولكن يريدون أن يحسبهم الناس من العلماء وهم في الحقيقة لا يعلمون شيئًا. وأي خير في مثل هؤلاء اليهود لأنفسهم أو لسواهم؟ وكيف يستحقون أن يتزل عليهم فضل الله تعالى وهم أعداء دينه؟ يسيئون إلى الله تعالى إذ يُلقون بجهلهم عليه جل وعلا، ويضلون البسطاء بقلة علمهم. وللأسف أن مثلهم في المسلمين كثيرون فمنهم من لا يستطيعون قراءة القرآن، ولكنهم يرددون على الناس ما سمعوه من قصص وأساطير جمعوها من هنا وهناك، ويوهمونهم أنه وسنة رسوله؛ ثم يلحون عليهم أن يؤمنوا ويعملوا بها. ومنهم من يلمون بالعربية قليلاً ولكنهم محرومون من الكفاءة لفهم دقائقها وإدراك مراميها، وبسبب علمهم الناقص بالقرآن يَضلُّون ويُضلون. ومنهم من يستطيعون تلاوة القرآن ويتعالون بذلك على العامة الذين لا يعرفون التلاوة، ويتظاهرون أمامهم بالمهارة في علوم القرآن الواقع أن هؤلاء هم السوس الذي ينخر في أساس الإسلام. فلو أن المسلمين اهتموا بقراءة القرآن وحاولوا تدبره وفهمه فهما صحيحًا، ولم يتبعوا الكاذبين و لم يسيروا وراء أهوائهم. . لم ير الإسلام هذا اليوم الأسود الذي يُحزن قلب كل مسلم مخلص. يبين قوله تعالى (وإن هم إلا يظنون أن كل هؤلاء الأصناف من الناس الذين مر ذكرهم يعتمدون على الظن ولا علم عندهم. وقوله تعالى (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ضرب من جمال الإيجاز والبلاغة في أسلوب القرآن الكريم. إذ تبدو هذه الآية وكأنها تعقيب يكمل الآية السابقة، ولكنها في الحقيقة تعرض صنفًا آخر من أهل الكتاب. فالآية السابقة تذكر أولئك الذين لا يعرفون العبرية ولا اطلاع لهم على ما في أسفارهم من مفاهيم دقيقة، فيضلون ويُضلون؛ أو الذين يقرأون صحفهم أو يحفظون جزءاً منها ولكنهم لا يعرفون معانيها، وإنما يتمسكون ببعض تفاسير من علمائهم ويذكرونها للناس في غير مناسبتها على أنها التعاليم ٣٤٩