Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 363
سماوي آخر- إذا صحح إيمانه بحسب تعاليم الإسلام وعمل الصالحات، فبوسعه اليوم أيضًا أن يتقدم في مجال الروحانية، وينال قرب الله تعالى، ويرث أفضاله، ولن تحول بينه وبين هذا ما ارتكبته أمته في الماضي من معاص. وقد يتساءل أحد: إذا كانت الحالة الإيمانية لبني إسرائيل بهذا السوء والانحطاط فلماذا فضلهم الله على الآخرين؟ الجواب: لا يمكن أن تقاس حال قوم بحال عوامهم فقط، وإنما تقدر قيمتهم أحيانًا بحالة الخواص منهم، وأحيانًا باستعدادهم الفطري خذوا مثلاً حال اليهود اليوم فإنهم بالرغم من بعد عهدهم بأنبيائهم، وعلى الرغم من تعرضهم لشتى أنواع الاضطهاد طيلة هذه القرون، فلا تزال مقاليد الاقتصاد العالمي بأيديهم، وبسبب ذكائهم ودهائهم يتفوقون على غيرهم في مجال الاكتشافات العلمية على اختلاف نواحيها. وهذا يدل على تمتعهم بمواهب فطرية وملكات خاصة تميزهم عن كثير من الناس. هذا من ناحية استعدادهم القومي، وأما من ناحية قدرات الخواص منهم فيكفيك دليلاً على ذلك أنه لم يُبعث في قوم عدد من الأنبياء بقدر ما بُعث فيهم. فتمتُّعُ هذا العدد الكبير بالجوهر الروحاني والقرب الإلهي لدليل على فضيلة هذا القوم فاختيار الله تعالى إياهم لأفضال خاصة لم يكن من فراغ أو من قبيل التحكم، بل كانوا في الحقيقة أهلاً لها. ومع تميز بني إسرائيل بتلك الميزات الفردية والقومية إلا أن عيبهم أنهم كانوا يستخدمون هذه المواهب الفطرية في تحقيق الازدهار المادي على حساب الرقي الروحي. كما أن تمتعهم بقوة الذكاء على وجه عام جعلهم يحسدون أنبياءهم ويأبون احترامهم بحسب المكانة الروحانية التي بوءهم الله إياها. ودفعهم هذان العيبان إلى التقهقر في الميدان الروحاني، فحرموا من نعمة النبوة. فتمتُّع بني إسرائيل بأفضال الله الخاصة ثم جلبهم سخط الله عليهم مرة بعد أخرى ليس بأمرين متعارضين بل قد حدثا واجتمعا فعلاً فيهم. هذا من ناحية ارتباط آيتنا هذه بما قبلها وما بعدها من الآيات. أما من ناحية معناها المستقل فقد يراد بقوله تعالى (الذين آمنوا المسلمون أيضًا، وبذلك تكون هذه الآية نبأ عظيم الشأن إذ تبين طريقا سهلاً للفصل بين الأديان المختلفة. ذلك أن أحدًا لا يستطيع رؤية أحبائه يتعرضون للإيذاء والهلاك، فكيف يمكن أن يخذل الله أحباءه ليذلّوا ويُهانوا؟ فالدين الذي يتلقى نصرًا وتأييدا من الله لدين حق، والدين المحروم من نصرة الله وتأييده ليس مرضيّا عند الله تعالى. ولقد نبه الله الناس بذكر أديانهم بأن كل واحد منهم يدعي بالإيمان الصالح الذي يرضي الله تعالى، ولكن آية صدق الصادق في إيمانه بالله واليوم الآخر وصلاح العمل هو أن يكون أسمى من أن يتطرق إلى قلبه خوف أو حزن، وإنما يكون في حال طمأنينة وسكينة. ۳۱۲