Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 339
الشجار على الفور وافسحوا المكان للمهاجرين، وأما المهاجرين فقد هدأوا كذلك. ثم أخذ الأنصار يتلاومون بأنا لا نستحق الحياة بعد ما صدر من ابن سلول. ولما بلغ الخبر ابن رئيس المنافقين قرر أن أباه لا يستحق الحياة بعد جريمته النكراء هذه فجاء النبي يا الله ، وقال : يا رسول الله ، هل بلغك ما قاله عبد الله؟ قال : نعم. قال: يا رسول الله، هل له عقوبة غير القتل؟! إن كنت آمرا بقتله فمُرْني أضرب عنقه، لأني أخاف أن يقتله غيري فتثور نفسي وأقتل قاتله فأقتل مؤمنًا بكافر. (السيرة النبوية لابن هشام). لاحظوا النظر الثاقب للصحابة ! فابن زعيم المنافقين لا يريد قتل أبيه الذي أساء إلى النبي ﷺ إلا بيده، إذ كان يعرف أن المجرم مهما كان ذا مكانة وجاه فهو أبوه ، وإنما يريد قتله بيده لكيلا ينشأ في قلبه بغض نحو أخ مسلم. فكأن الحكمة التي وجّه الله إليها أنظار بني إسرائيل بالوحي الجلي. . توصل إليها أصحاب الرسول بأنفسهم عن طريق الوحي الخفي الذي هو ثمرة نور إيمانهم، رضي الله عنهم ورضوا عنه! قوله تعالى: [ذلكم خير لكم عند لكم عند بارئكم إشارة إلى ما ذكرت آنفًا. . أي أن إنزال العقوبة بأئمة الشرك خير لقومكم، لأن حالة قلوبكم سيئة لدرجة أن العفو لا يصلحها وحده، بل لا بد من قدر من العقوبة. ويشير أيضا إلى أن في قتل الأقارب بيد الأقارب، والأصدقاء بيد الأصدقاء خيرا لكم، لأن قتلهم بيد غيرهم سوف يثير بينكم فتنة البغض والانتقام التي لن تنتهي؛ خصوصاً وأن دافع الانتقام عندكم شديد لا تخبو ناره. قوله تعالى: [فتاب عليكم. . يعني توجّه الله إليكم بفضله ورحمته. . أي تناسى جريمتكم بعد توقيع هذه العقوبة. وما ذكركم بها إن لم تكونوا قد ارتكبتم مزيدًا من الجرائم. وقوله تعالى : [إنه هو التواب الرحيم. . أي يقبل التوبة مرة بعد مرة، وينظر إليكم بعين الرحمة الواسعة المتكررة. وما حدث لكم فيما بعد كان بسبب ما ارتكبتم من المعاصي والمساوئ المستمرة، وهو دليل على أنكم لم تقدروا العفو الإلهي العظيم الذي صدر رغم شناعة جريمتكم. تذكر التوراة أنه قُتل في ذلك اليوم ثلاثة آلاف، ولكن هذا مخالف للعقل تماما. فإذا كان أئمة الشرك ثلاثة آلاف لكان عدد الجميع مئات الألوف. ولكن عدد إسرائيل في ذلك الوقت لم يكن بذلك القدر، لا بحسب التاريخ ولا بحسب الأحداث. ففي زمننا هذا الذي تيسرت فيه وسائل السفر على شتى الأنواع لا يستطيع مئات الآلاف بهذه التسهيلات عبور صحراء سيناء، فكيف استطاع بنو إسرائيل في ذلك الزمن عبورها بوسائلهم البدائية مع نسائهم وأطفالهم وأمتعتهم؟ بحسب ما يتبين من القرآن، وبحسب شهادة العقل لم يكن هؤلاء المهاجرون يتعدون بضعة آلاف وربما عدد القتلى بضعة أفراد وبالغ کتاب التوراة فيما بعد وجعلوه ثلاثة آلاف. وحدهم ۲۸۸