Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 288
الملايين من المسلمين شركاء على قدم المساواة في كل البركات، ولم يصبهم أحد بأذى باعتبارهم من الأجانب. فزعم الكتاب النصارى رغم كل هذه الحقائق بأن محمدا ﷺ كان يغري بني إسرائيل لضمهم إلى صفه. . لافتراء يخالف العقل والواقع. وكل ما في الأمر أن القرآن قدَّم لبني إسرائيل النصح لمحض منفعتهم، ولكنهم لم يقبلوه ، فلا يزالون يتحملون تبعات ذلك. الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنهُم مُّلَقُوا بَهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ) شرح الكلمات : ٤٧ يظنون: ظنّ الشيء: علمه واستيقنه. والظن هو الاعتقاد الراجح مع احتمال النقيض، ويستعمل في اليقين والشك (الأقرب). وقد استُعمل الظن هنا بمعنى اليقين. التفسير: من الأسلوب القرآني أنه عندما يستخدم كلمة ما لمعنى خاص فإنه يتبعها بشرح لهذا المعنى. فهنا يوضح المعنى الاصطلاحي لكلمة "خاشعين" الواردة في الآية السابقة، فبين أنها لا تعني مجرد الخائفين، وإنما تعني الذين يتولد في قلوبهم خشية الله تعالى نتيجة يقينهم الكامل بوجوده ولقائه، ولا يتأسس هذا على مخافة الأذى. . وإنما الخشية من فوات الترقيات الروحية العليا. وهذا الخوف ليس من قبيل خوف الجبان، وإنما هو قلق العارف بالله. . وتجده في أشجع الشجعان، بل يجب أن يوجد فيه. فقيل لليهود في الآية السابقة إن طرد خوف مصائب الدنيا عملية صعبة بلا شك، ولكنها سهلة على الخاشعين، أي الخائفين من الحرمان من الترقيات الروحانية. شعورهم و لا يستقيم المعنى إذا أخذنا كلمة "الخاشعين" بمعنى الخوف العادي، بل يصير معنى الآية عجيبا هكذا: لا تخافوا الناس، وإن كان تجنب الخوف أمرا صعبا إلا أنه سهل على الخائفين! إذا فالخشوع يعني هنا خوف الإنسان من أن يُحرم القرب من ذلك الوجود الكامل الذي يؤمن به. والمراد من الآية: لا تخافوا المصاعب والمشاكل الدنيوية. إن تجنب هذا الخوف صعب بلا شك، ولكن الذين ينصبون لهم هدفا ساميا بحيث يشق عليهم ترك هذا الهدف لا يعود تحمل المشاق صعبا عليهم. والخوف من فوات المرام يُعَدّ في الحقيقة شجاعة وحذرا وليس جبنا. قوله تعالى وأنهم إليه راجعون. . الإسلام هو الدين الوحيد الذي يؤكد الحياة بعد الموت حق التأكيد، وليس هناك دين غير الإسلام يتخذ من الحياة الأخروية أساسا لبناء التقوى في الدنيا. إنه يعتبر الحياة الدنيا حلقة من حلقات حياة طويلة يكتمل خلالها رقي الروح الإنسانية، ولا يعتبر الموت نهاية ستمضي بعده في كفاح مستمر والفرق بين الحياتين أن الإنسان يكافح في لصراع الروح، بل يرى أنها ۲۳۷