Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 232
وهناك آية أخرى تدلنا على حالة الإنسان قبل أن يكون بشرا. . قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأَنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُوراً) (الدهر : ۲). . أي أن الإنسان في هذا الدور من حياته لم يكن قد نشأت فيه القدرة الفكرية، ولم يكن عندئذ كائنا ناطقا عاقلا، وإنما كان كائنا منطويا على قوة كامنة للتقدم والتطور. . ثم تقول الآية التي تليها: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجِ نَبْتَلِيهِ )) (الدهر:٣). وفي هذا إشارة إلى أن تناسل الإنسان من خلال النطفة قد بدأ بعد أن ظهر بصورة الكائن الحي، وكانت نطفته هذه أمشاجا، أي خليطا من القوى المتنوعة التي تميز النطفة الإنسانية عن نطفة سائر الحيوانات. ونطف الحيوانات الأخرى ليست بأمشاج، أي أنها ليست خليطا من قوى مختلفة، لذلك فليست الحيوانات قادرة على اختيار طرق مختلفة. ولكن البشر الذين خُلقوا من نطفة أمشاج فهم مختلفون في أمزجتهم، وقادرون على الاختلاف في اختيار الطرق. أما القرد فيتمتع اليوم أيضا بنفس القوى التي كان بها يتمتع قبل آلاف السنين، وكذلك الأسد وسائر الحيوانات الأخرى. . ولكن ذرية الإنسان المخلوق نطفة من أمشاج اختلفوا عن آبائهم في أفعالهم وقواهم، فأصبحوا قادرين على التقدم المستمر في العلوم والفنون. وكأن في كلمة نطفة أمشاج إشارة إلى كون الإنسان حيوانا ناطقا. وتكتمل الآية بقوله: فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيراً (الإنسان:۳). وهاتان الصفتان تدلان على المبالغة والكمال، وهما ميزتان تختصان بالإنسان دون سائر الحيوانات. الحيوان يسمع ولكنه ليس سميعا لأنه لا يعقل ولا يفكر في ما يسمع. وهو يبصر، ولكنه ليس بصيرا، لأنه لا يتفكر فيما يرى ولا يُعمل عقله فيه. وهكذا فإن آدم كان أول مظهر لتلك القوى المودعة في النطفة الأمشاج والتي تجلت في الصفتين: السميع والبصير. ولا يراد بالآيات السابقة النفي المطلق لوجود البشر قبل ،آدم بل إنها تدل على أن الجنس البشري كان موجودا ،قبله ولكن لم يكن أحد منهم مُتَصفًا بهاتين الصفتين غير آدم ال، لأن قواهم لم تتطور إلى حد يؤهلهم لسماع كلام الله تعالى والنظر في آياته ومظاهر قدرته، فلذلك لم ينزل إليهم عندئذ الوحي السماوي، ولم يظهر الله لهم آياته الخاصة بالشريعة. ولما ترقى الإنسان وتقدم في نشأته حتى صار سميعا بصيرا. . اصطفاه الله لكلامه وشرفه بوحيه. وقد ورد في القرآن الكريم ما يوضح المراد بهاتين أنهما تدلان على النظر الفكري والفهم لآيات الله وتدبرها. . قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخَبْتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلا تَذَكَّرُونَ) (هود: ٢٤، ٢٥). الصفتين من