Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 228
وجدير ذكره أيضًا أن القرآن الكريم يتميز عن الكتب السماوية الأخرى بأنه يجمع بين التسبيح والتحميد والتقديس. إن التسبيح يتضمن التنزيه عن العيوب، وأهل السمو لا يقنعون بصفات التتريه، لأن الكمال يتطلب الصفات الإيجابية الحقيقية. إن نفي بعض العيوب لا يعطي الصورة الحقيقية، ولكن ذكر الصفات الثابتة الإيجابية هو الذي يجلي الحقيقية. فمثلا لو قلنا إن الله تبارك وتعالى ليس بمادة، وأنه لا يجوع ولا يعطش، ولا يأخذه نوم ولا يطرأ عليه ،موت ولا يخضع للأهواء. . تبين للسامع من قولنا هذا أن الله تعالى مختلف عن سائر الموجودات بعض الاختلاف. . ولكن لا يستبين له من ذلك عظمة الله وكبرياؤه بحيث يقدره حق قدره. لقد اهتمت الديانات البدائية بناحية التتريه والتسبيح، لأن العقل الإنساني لم يكن قد بلغ عندئذ مبلغا من كمال النشوء بحيث يدرك ناحية الحمد والتقديس. ولكن القرآن الكريم لم يُول الصفات الإلهية التتريهية اهتماما كبيرا، وإنما أعطى الناحية التقديسية أعظم الأهمية، وبها يقدم للناس صورة واضحة جلية للصفات الإلهية لم يسبق لها مثال في الوضوح والشمول والتمام، بحيث يعرف الإنسان عن ربه ما يملأ قلبه حبًا وإجلالا لصاحب الحمد المطلق والقداسة التامة. وعلى سبيل المثال يقول القرآن الكريم عن الله تعالى أنه : لا يَمُوت (الفرقان: ٥٩) لَمْ يَلِدْ ، وَلَمْ يُولَدْ (الإخلاص: ٤)، لا يُطعم (الأنعام: ١٥) ، لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) (البقرة:٢٥٦). إذا تأملنا هذه الصفات السلبية وجدناها لا تتحدث في الحقيقة عن عظمة الله، وإنما هي صفات تبطل معتقدات الشرك الشائعة في النصارى وأمثالهم من المشركين، الذين كانوا يصفون الله تعالى بصفات البشر. لقد صرح القرآن في هذه الآيات أن الآلهة التي تأكل الطعام وتمشي في الأسواق، وتولد من بطون الأمهات، وتتزوج وتنجب وتنام ويغلبها النعاس من التعب. . ليست من الله تعالى في شيء. . إنه متعال عن كل ذلك علو كبيرا. أما صفته لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) (الشورى: ۱۲)، فهي أيضا ليست سلبية محضة، وإنما تبين أن الله تعالى ذكر لنا في القرآن الكريم صفاته الإيجابية الذاتية بصورة تقربها إلى فهمنا، ولكن علينا ألا ننخدع بها ونحسبها تشابه صفات الإنسان فإنها في الحقيقة مختلفة عنها تمام الاختلاف إن الله تعالى متكلم، ولكنه لا يتكلم بالكيفية التي يتكلم بها البشر بحيث يحتاج إلى لسان وحلق وشفاه وما إلى ذلك أدوات النطق البشري. وهو يسمع ويبصر، ولكنه ليس كمثله شيء في سمعه وبصره. وهكذا يعرفنا القرآن بالصفات الإلهية الذاتية مع بيان اختلافها عن الصفات البشرية. الكريم من إن قول الملائكة: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك إشارة إلى ما يراه ذوو العرفان الكامل من عباد الله المقربين. إنهم لا يرون الله تعالى عن طريق صفاته التريهية السلبية، بل يتشرفون بعرفانه عن طريق ١٥٧