Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1)

by Hazrat Mirza Bashir-ud-Din Mahmud Ahmad

Page 206 of 421

Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 206

في هذه الآية شرح لقوله لذة للشاربين، فهي لذة لا تُحدث السكر والغيبوبة، وبذلك أشار إلى أن الدنيا لا تثير لذة حقيقية، بل إنها تورث الغفلة عن الهموم والأحزان ولكن خمر الآخرة ليس لها هذا الأثر المضيع للعقل. وفي موضع آخر يضيف القرآن الكريم قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُوراً (الإنسان: ۲۲). وقال: يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَحْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكُ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمِ * عَيْنًا يَشْرَبُ بهَا الْمُقَرَّبُونَ ﴾ (المطففين: ٢٦ - ٢٩). وقال: يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (الطور : ٢٤). يتبين مما سبق من الآيات أن أهل الجنة يشربون من خمر لا سكر فيها ولا عربدة، تقرب شاربيها إلى الله تعالى، تنبعث منها رائحة طيبة من المسك، وهي طاهرة مطهرة لا يهذي شاربوها ولا يتشاتمون. خمر الآخرة كما يقدمها القرآن، فكيف خمر الدنيا؟ إنها تسبب السكر، وتبعث شاربيها على العربدة والبذاءة. وقد وصفها القرآن الكريم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْحَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ *) (المائدة : ٩١ - هذه. (۹۲ هي فخمر الدنيا وخمر الآخرة شيء آخر تماما. . وكذلك نعم الجنة لها أسماء نعم الدنيا، ولكنها تختلف عنها كل الاختلاف ويراد بها النعم الروحانية دون النعم الجسمانية. وشتان ما بينهما! ولقد أدرك ذلك الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: "ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء" (تفسير ابن جرير ج ١). وأقول لمن يسأل عن السبب في استعمال القرآن لتلك الأسماء. . مع ما بين نعم ما بين نعم الجنة ونعم الدنيا من مغايرة: إن القرآن الكريم يخاطب جميع طبقات بني الإنسان. . الصديق والعدو، علية القوم وأرذلهم. . ولذلك يحدثهم، وعلى الأخص في الأمور التي يتعذر فهمها على الناس، بلغة يفهمها ويطمئن إليها العامة، وينتفع بها الخاصة، وتفحم الأعداء. وبالنظر إلى هذه الحكمة استعمل القرآن الحكيم في وصف نعيم الآخرة كلمات يجد فيها كل الناس الطمأنينة والارتياح على قدر عقولهم ودرجاتهم. فحينما يقول القرآن المجيد إن للمؤمنين جنات ذات ظل ظليل، وأنهارًا جارية، ولبنا سائغا لم يتغير طعمه وماء غير آسن وعسلا مصفى من الشوائب، وخمرا نقية لا تسكر، مطهرة للقلوب. . فإنه بذلك القول يرد على المعترضين قائلا: إن الأشياء التي تعدونها متاعا وتعتزون بها هي أحط من النعم التي يتمتع بها المؤمنون في الجنة. إن أنهاركم التي تنعمون بها يأسن ۱۳۵