Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 192
لأنهم لم ينتبهوا إلى أن الديانات السابقة على الإسلام كانت غير عالمية، أي أن كل دين كان يخص قوما بعينهم أو قبيلة بذاتها. وهكذا كان أتباع هذه الديانات يحسبون أن الإله الواحد إلههم وحدهم دون غيرهم. وهذه الرسالات وإن كانت سماوية صادرة عن إله واحد إلا أن اختلاف أحوال القبائل والأمم اقتضی أن تكون هناك اختلافات في تفاصيل الديانات وقد نشأ عن تلك الاختلافات ذلك الظن الخاطئ لدى من يجهل هذه الحقيقة بأن لكل دين منها إلها خاصا به. والحقيقة أن الإله الذي شرف البشرية بالرسالات السماوية إله ،واحد أعطى كل شعب طبق حاجته. وقد أبان القرآن الكريم وجه الحقيقة في هذه القضية قائلا: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (فاطر: ٢٥). ومما يثير العجب أن الذين يظنون بأن الاعتقاد بالإله الواحد "يهوه" إله بني إسرائيل قد ظهر فيهم بعد موسى. . لم يروا بأن إبراهيم سبق موسى بزمن طويل، وكان من ذريته قوم يسكنون مكة، وكانت عقيدتهم تخالف عقيدة اليهود. . إذ إنهم أسرفوا في الشرك، وجمعوا في الكعبة عددا كبيرا من الأصنام، وكانوا بعيدين عن عوامل الحضارات الخارجية بعدًا تامًا. . ثم جاء نبي الإسلام محمد ﷺ ونادى في قومه الذين عادوه أشد العداء. . بأن جدهم إبراهيم كان موحدا ولم يكن من المشركين. يقول القرآن المجيد. . . بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (البقرة: ١٣٦). ورغم الخلاف الشديد بين النبي وبين قومه من أحفاد إبراهيم لم ينكروا عليه أبدا هذا القول، ولم يدع أحد منهم بأن إبراهيم لم يكن موحدا. وفي هذا دلالة واضحة على أن مشركي مكة كانوا يعترفون بأن إبراهيم كان موحدا، وأن عامة العرب كانوا يعتقدون بأن إبراهيم ل لم يكن من المشركين. ومن ثم فإن التقاليد العريقة لأبناء إبراهيم من قبل موسى تقوم على عقيدة الإيمان بإله واحد. والزعم بأن عقيدة التوحيد لم تكن في بني إسرائيل إلا بعد موسى زعم باطل، لأن بني إسرائيل هم من ذرية إبراهيم ويعتزون بكونه جدهم الأكبر، وإبراهيم هو حامل لواء التوحيد في قومه وبنيه. وخلاصة القول إن الآية الكريمة التي تدعو إلى التوحيد وتنهى عن الشرك لا تقدم حلقة ارتقائية متطورة من حلقات عقائد الشرك، بل إنها توطد أركان عقيدة راسخة عريقة في تاريخ الإنسان. . قد عنه : ضلت عنها الأمم بعض الوقت. . وانحرفت عنها الجماعات البشرية فوقعت في الشرك.