Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 145
بصورة حمامة (يوحنا: ٣٢). والذي صدقه المسيح عيسى نفسه (متى). ولكن المستشرق أخذ بالمعنى الحرفي الظاهري. الشأن والحق أن القرآن الكريم استعمل كلمة السماء في معان مختلفة. فهي حينا تأتى بمعنى السحاب، وحينا بمعنى العلو، وحينا آخر بمعنى علو المقام والمنزلة. وهي إذا استعملت الله عز وجل فهي تعبير عن المرتبة فحسب، ولا تعني العلو الظاهري المكاني الذي قد يتصوره البعض. وكيف يكون ذلك والله تعالى يقول: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَريدِ (ق: (۷۱). وعدم مراعاة هذا الفرق أوقع في فهم معاني السماء. علو المسلمين في وسمو الخطأ ثم أوضح القرآن أن الملائكة ليسوا كائنات مادية، وإنما هم العلة الثانية في هذا الكون بعد الله تعالى. الله وهم الواسطة الأولى لتنفيذ أحكام الله تعالى في هذا النظام الكوني. فمنهم من هو مأمور بتبليغ كلام إلى عباده ومنهم من هو مسئول عن نظام المواليد ومنهم من هو مسخر لتنفيذ أحكام الموت وهلم جرا. فكأنهم الأسلاك الحساسة التي يحرك بها الله تعالى هذا النظام العالمي، كما وصفهم القرآن: ﴿وَمَا مِنَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُوم (الصافات: ١٦٥). أي أن كلا منهم يقوم بما هو مكلف به وهو مقيم لا يفارق مقامه، وهو في ذلك كالشمس تضيء ما حولها من الكواكب وهي تلازم مقامها. فترول الملائكة مجرد استعارة، ونزول الكلام بهم استعارة أيضًا. إلا والخطأ الثالث في فهم معنى النزول ناشئ عن تصور بعض الناس أن الله تعالى يحتاج في أعماله إلى وسائل مادية مثل الإنسان، فينزل كلامه مكتوبا ويرسل به رسولا إلى عبد اختاره من عباده. مع أن القرآن يوضح هذا الأمر في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ (البقرة: ١١٨). أما * عن كلمة الترول فقد قال الله تعالى عن رسوله : قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ الله (الطلاق: ۱۱ و ۱۲). والرسول الله لم ينزل السماء، فمعنى الترول هنا مجازي، وأن الكلمة تستعمل الخلق، وإيجاد شيء عظيم يُعَدّ من المنن الكبرى كقوله: أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةٌ نُعاساً)) (آل عمران: ١٥٥). وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجِ (الزمر: ٧). وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى)) (البقرة: ٨٥) أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً (الأعراف: ۲۷). وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ (الحديد: ٢٦). فمعنى نزول كلام الله هو التعبير عن كون هذا الكلام نعمة عظمى يؤدي جحودها بالإنسان إلى الدرك الأسفل من الهوان. وهذا كلام لا يحتاج إلى نزول مادي، بل إنه علم إلهي خاص يحظى به المقربون