Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 135
والحق أن انتشار القلق والاضطراب واعتداء الأمم بعضها على بعض في العصر الحاضر. . كل أولئك ترجع إلى عامل هام خطير. . وهو إهمال الناس العبادة الخالصة لله تعالى، ولو تمسكوا بها لأدى اتصالهم بخالق هذا الكون وربهم الكريم إلى استبدال المحبة والإيثار والتضحية بالتباغض والتنافر. والصفة العملية الثانية للمتقين الذين يجدون الهدى في القرآن أنهم يكونون كما قالت عنهم الآية ومما رزقناهم ينفقون. والرزق هو كل عطاء من بصفة عامة وليس الطعام وحده كما يظن بعض الناس والأصل في الرزق الإمداد بالوسائل حسب الضرورة والطعام واحد من الضرورات الحيوية للإنسان، وليس هو الأصل في المعنى، ولذلك يخطئ من يفسر الرزق بالطعام وحده. الله وصفة ومما رزقناهم ينفقون لم تحدد الإنفاق كما أو نوعًا أو مادة وليس لنا أن نحدد ما لم يحدده الله فالمتقون يبذلون في سبيل الله نصيبا من كل ما أعطاهم الله. . علما كان أو عقلا أو شرفا أو مالا. إن كل ما يسد ضرورة فهو نعمة من الله تعالى، وقد أمر الله بإنفاق كل هذه الوسائل. إن من يساعد الناس بالمال ويبخل عليهم بجاهه أو من يكسوهم ولكنه يحرمهم المأوى، أو من يخدمهم ولكن يضن عليهم بعلمه. . مثل هذا الإنسان لا يكون من العاملين بهذه الميزة التي تصف بها الآية المتقين المنتفعين بهدي القرآن. الآية تدل على أن المساعدة بالمال وحده جانب من الإنفاق، وليست كل الإنفاق. فمن الإنفاق في سبيل الله تعليم الناس وخدمة اليتامى والأرامل والمحتاجين والدفاع عن الوطن وبذل النفس في سبيله وعلاج المرضى، وكشفُ المخترعات بالعمل ليلا ونهارا للصالح العامة. . وكثير غيرها من نعم الله التي لا تعد ولا تحصى. والذين يتدبرون هذه الآية يسعون دائما أن تكون كل طاقة ونعمة لديهم في المنفعة العامة. ولقد أدرك الفقهاء حقيقة الإسلام الكبرى إذ استثنوا من الزكاة ذلك الحلي الذي تستعمله صاحبته أو تعيره للفقيرات من النساء أحيانا. وهذه حقيقة كبرى، لأن الزكاة فرضت لتزكية المال وطهارته. والمال كالماء. . إذا جرى لا يفسده شيء وإذا وقف أسِن المال الذي يُصرف وينتقل نفعه من يد إلى يد فهو كماء مبارك يخرج من عين متدفقة فينتفع الجميع، ولذلك يشجّع الإسلام على التجارة والزراعة والأعمال التي تعود بالفائدة على العاملين بها وعلى غيرهم، ولكنه يحرّم كتر المال وحجره عن التداول، لأن هذا يحرم الناس من نفعها. وقد شدّد الإسلام في هذا الأمر فقال: وَالَّذِينَ يَكْترُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ " يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ (التوبة: ٣٤،٣٥) منه