Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 1) — Page 119
والهدى أيضًا الخاتمة بالخير وبلوغ الغاية المنشودة، ألا وهي دخول الجنة. ومعنى ذلك أن الآية تهدف إلى بيان أن القرآن يتضمن من التعاليم ما يستطيع به المتقي أن يبلغ هدفه النهائي. ونظرا إلى أن سائر الملل تدعي بنفس الدعوة لذلك قد يبدو للقارئ أن دعوى القرآن هذه لا تقدم ما هو جديد وأفضل؛ ولكن إذا أمعنا النظر في المعنى الذي ذكره القرآن للجنة لتبين لنا ما يتصف به القرآن في هذا الموضوع من جدة وطرافة. فالقرآن لا يذكر أن الجنة دار التمتع للنعم في الآخرة فقط، بل يقول أن دخول الجنة الأخروية مرتبط بالجنة الدنيوية، فمن نال جنة الدنيا فاز بجنة الآخرة. . كما يقول عز وجل: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (الرحمن: (٤٧). فالذي يتقي الله حق تقاته له جنتان. ويقول أيضًا: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا )) (الإسراء: (۷۳). ومن لم يتق الله حرم نور الدنيا والآخرة، والمؤمن الذي يستنير بنور القرآن يتمتع في هذه الدنيا بتجلي الله، ويتحول إيمانه بالغيب إلى إيمان الشهود، ولا يعتقد بأنه سيرث جنة الآخرة بعد موته فحسب. . بل يكشف الله تعالى له صفاته في أنه ليرى نفسه في الجنة قبل الممات. أما الموت الجسماني فيزيد شعوره الدنيوي جلاء بعد أن الدنيا، حتى يتيسر له تجلي الله في هذه الدنيا. ومن البين انه لا يبقى بعد هذا المقام اضطراب أو اشتباه، ومن ينل هذا المقام يصبح بمنجاة من العثرات والعقبات فكأنه في حضانة الله تعالى في الحياة الدنيا. فلا يكون إذن- قول القرآن بأنه وسيلة لدخول الجنة ادعاء بلا دليل بل إنه يقدم هذه الحقيقة كشاهد يكشف عن صدقه من كذبه في هذه الدنيا. ولم تخلُ الأمة الإسلامية يوما من أناس كانوا دليلا على صدق هذه الحقيقة. فظلوا يتمتعون الله تعالى وتجليه حتى دخلوا الجنة وهم في الدنيا. . أي أصبحوا بمأمن من إغواء الشيطان، وفي مرفق من النعم الروحية، وتشرفوا بكلام الله المتتابع، وأكرموا بمنجاة الله، واستشفوا آياته البينات في أنفسهم، وجعلوها تتجلى في الآخرين. بالاتصال مع ويقول بعض من لا يتدبر القرآن: إذا كان القرآن هدى للمتقين فقط، فلا بد من كتاب آخر يُكسب الناس التقوى قبل الاهتداء بالقرآن فيقول القرآن :موضحا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ﴾ (الفتح: ٢٧). . أي أن التقوى الحقة لا تحصل إلا بالقرآن والإيمان به بل هي التقوى الباقية الدائمة. إن الآية تقول بان أهل التقوى ذوي الصلة الوثيقة بالله هم المؤمنون بالقرآن والآيات كثيرة تؤكد بأن القرآن هدى الجميع بني الإنسان على تفاوت درجاتهم الروحانية، وهو لا يخص فريقا دون فريق، بل يعم البشرية جمعاء. . فيقول تعالى: هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى (آل عمران (۱۳۹). ويقول: (هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة: ١٨٦). ويقول القرآن: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَل (الكهف: ٥٥). أي أن