Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 10) — Page 63
الجزء العاشر ٦٣ سورة الفيل في أيام البرد واقفًا منكمشًا على شاطئ ترعة، فخُذ معك قطعة من الشمع، واقترب منه حبوا، متخفيا وراء الحجارة والأعشاب، ثم أَلْقِ على رأسه الشمع، ثم اختــــف وراء حجر بهدوء، فإذا طلعت الشمس أذابت الشمع شيئا فشيئا حتى يغطي الشمع عينيه، فتقدم عندها وأمسك به. فقال: لماذا لا أمسكه فور وصولي إليه بدلاً أن من أضع على رأسه الشمع وأنتظر طلوع الشمس وإذابتها الشمع وما إلى ذلك؟ فأجاب : لو أمسكت به بهذه الطريقة فأي مهارة في ذلك؟ هذا هو حال أصحاب هذه الروايات، إذ يقولون إن الله تعالى قد بعث طيـــورا يحمل كل واحد منها في منقاره حجرًا وفي مخلبيه حجرين، وكان يلقيها على كل جندي، فكان يُصاب بالجدري. لماذا لم يقولوا ببساطة إنهم أُصيبوا بالجدري؟ فهذا لا يتطلب نسج كل هذه الحكاية، فإن الله تعالى يصيب الناس بالجدري كل يـــوم ولا يبعث لذلك أي طير. إنما نسجوا هذه الحكاية لأن العرب لم يعهدوا الجدري و لم يجربوه قبل ذلك، فلم يدروا ماهيته. ومن المعلوم أن مرض الزهري أصله أوروبا، إذ بدأ هناك أولاً ثم تفشى في البلاد الأخرى. أما مرض الكوليرا فلم يوجد أوروبا حتى ما قبل القرن التاسع عشر، وإنما كان أصله في آسيا الصغرى والصين (الموسوعة البريطانية تحت كلمة Cholera)، ومن هنا وصل أوروبا، فوقعت هناك حالات من الكوليرا. فالآن لو قال أحد بأن الله تعالى قد بعث جنَّا ضخاما فنفخوا في أنوف الناس، فانتفخت أمعاؤهم، وأصيبوا بالإسهال، فأخذوا يموتون، بدلاً من أن يقول إن الكوليرا تفشت فيهم، فهل يصدقه أحد ؟ فكل ما في الأمر أن هؤلاء أصيبوا بالجدري كما يصاب به الناس اليوم، ولكن لم يكن للعـــرب عـهـد بهـذا المرض، فنسجوا قصة غريبة بعد سماع شتى أقوال الناس عن الحادث، فسمعوا مـــــن البعض مثلاً أن جثث القوم كانت ملقاة على الحجارة، وسمعوا مـــن آخـــرين أن الطيور كانت تنهش لحومهم وسمعوا أنه كانت بهم بثور بحجم العدس والسمسم، فجمعوا كل هذه الأمور واختلقوا منها هذه القصة الغريبة. أما ما هي قصة الحجارة؟ فسوف نتناولها عند ذكرها في الآيات التالية.