Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 10) — Page 216
الجزء العاشر ٢١٦ سورة الماعون لا شك أن الإيمان الكامل بوجود حكومة الله في الدنيا عقيدة هامة، لكنها لا تتولد بالكلمات والخطب إنما تتولد من داخل الإنسان فما هو معنى قيام الحكومة الإلهية يا ترى؟ أتظن أن المسيحيين لا يؤمنون بالله تعالى أو أن اليهود لا يؤمنون به سبحانه؟ إنما المراد من الحكومة الإلهية إيمان المرء بأن الله تعالى هو المتصرف في الكون كله تصرفا كاملا؛ أي أن لا يقرّ بوجود الله تعالى بلسانه فقط، بل يؤمن أيضا أنه هو الفعّال المتصرف في كل ذرة من الكون. غير أن هذا لا يعني أيضا ما يفهمه جهلاء المسلمين من لفظ القدر الإلهي، إذ ينسبون إلى الله تعالى سرقة السارق وفسق الفاسق وقتل القاتل. هذه سخرية شنيعة واستهزاء بشع بأحكام الله تعالى. فما داموا لا ينسبون إلى الناس من الأعمال إلا ما يليق بمكانتهم، فكيف ينسبون إلى الله تعالى هذه المنكرات والقبائح؟ فمثلا إذا كان هناك ملك مقتدر يحكم البلد، وقلنا إنه يدير أمور بلده كلها، فإنما نعني بذلك أنه يتولى كل الأمور المتعلقة بتقدم بلده وسد حاجات جيوشه، فلو اعترض أحد على قولنا هذا قائلا: "كيف تقول إن الملك يدير البلاد؟! هذا كذب، فالكناس هو الذي يكنس المراحيض لا الملك ، فلا بد أن يضحك عليه الجميع ويعتبروه مجنونا. كذلك إذا قلنا إن الله تعالى خالق السماوات والأرض وهو مدبر الكون، فكيف ساغ لأحد أن يفهم من ذلك أنه تعالى هو الذي يدفع السارق ليسرق، والفاسق ليفسق، والظالم ليظلم، والخائن ليخون؟ هذه وقاحة ما بعدها وقاحة. هذا ليس من القدر الإلهي في شيء، إنما هو منتهى الكفر والإلحاد. إن هؤلاء الحمقى لا يفكرون أن الله تعالى إذا أراد مساعدة أحد في أعماله فإنما سيساعده على ترك الكفر لا على نشره، وعلى الإيمان لا إلى الإلحاد، وعلى ترك السرقة لا ارتكابها. فمتى يحث الشريف على السرقة أو القتل أو الخيانة؟ لو نُسبت هذه الأعمال إلى هؤلاء الذين ينسبونها إلى الله تعالى باسم القدر لاعتبروه سُبّةً ولتميزوا غيظًا، ذلك يقولون أن خالق ومع الكون ومنبع الخير كله الله هو الذي يدفع السارق ليسرق والخادع ليخدع، وهم يظنون أنهم مسلمون، بل يزعمون أن هذا ما يعلّمه القرآن الكريم، والعياذ بالله. انظر إلى مدى تردّي المسلمين وانحرافهم عن الدين؛ حيث ينسبون هذه العقيدة