Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 10) — Page 190
۱۹۰ الجزء العاشر سورة الماعون الحياة بعد الموت كان قد اندرس من بين اليهود تماما قبل بعثة الرسول ﷺ لا نصدق أبدًا أن اليهود لم يُخبروا بالحياة بعد الموت من قبل أي من أنبيائهم مثل إبراهيم وموسى أو الأنبياء الذين أتوا بعد موسى تثرًا كداود وسليمان وإلياس وزكريا ويحى عليهم السلام. فخُلُوُّ العهد القديم من ذكر الحياة بعد الموت لدليل بين على أن اليهود قد حذفوا مثل هذه الأمور من كتبهم؛ إذ لا تجد فيها مجرد إشارة إلى هذه القضية البالغة الأهمية، بينما تجد القرآن الكريم مليئا بالحديث عن البعث بعد الموت. وعندي أن هذا التغيير في العهد القديم إنما حصل لأن اليهود طبقوا آياته المتعلقة بالحياة الآخرة على هذه الدنيا خطأ، وعندما وجدوا أجزاء من كتابهم تلقي الضوء على فكرة الحياة بعد الموت حذفوها منه. شأنهم شأن المسلمين اليوم الذين قرأوا في القرآن الكريم قول الله تعالى وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جنَّتَانِ (الرحمن: (٤٧). أي أن له جنة في هذه الدنيا وجنة في الآخرة، فركّزوا كل التركيز على جنة الآخرة، فظنوا أنهم سينالون هاتين الجنتين في الآخرة. فاليهود لما رأوا أن الله تعالى قد وعدهم في كتبهم بأنواع النعم، ظنوا بسبب غلوّهم أنها كلها تتعلق بالدنيا إذ كانوا مولعين بنعم الدنيا، فحذفوا من كتابهم الأجزاء التي صعب عليهم إخضاعها لمعتقدهم الخاطئ هذا. يسبح ويوجد في القرآن الكريم آيات كثيرة تتعلق بهذه الدنيا، ولكن المسلمين طبقوها على الآخرة خطاً، فهناك في الجزء الثلاثين من القرآن الكريم أنباء كثيرة تنطبق على هذه الدنيا حرفيًا، وعندما يقرأها المرء في القرآن، ثم يرى الأحداث التي تقع اليوم في الدنيا وفقا لتلك الأنباء، فيرقص قلبه فرحًا، فلا يملك إلا أن الله تعالى ويزداد يقينًا بوعوده. ولكن المفسرين يطبقون كل تلك الأنباء على القيامة، والطبيعي أن أحدا إذا أيقن أن سورة كيت وكيت تتحدث عن يوم القيامة قال: انتهى الأمر، فالآن لا حاجة بي للتدبر في هذه السورة أما اليهود ففعلوا العكس، فطبقوا كل الآيات التوراتية المتعلقة بالحياة الآخرة على هذه الدنيا. الواقع أن الصحف السماوية تتحدث عن الآخرة بلغة الاستعارة والمجاز دائما قائلة: ستكون في الآخرة أنهار من لبن وخمر وما إلى ذلك من النعم، واللبن في لغة الوحي يعني