Arabic Tafseer-e-Kabeer (Vol 10) — Page 166
الجزء العاشر 177 سورة قريش وثانيا: إنهم كانوا يخرجون في هذه الرحلات لكسب الرزق ليوزعوه علـ إخوانهم لكي يمكثوا في مكة ولا يهجروها إلى مناطق أخرى بحثا عن الرزق، أما التسليم بهذا المعنى فيعني أن الله تعالى نهاهم عن الخروج في هذه الرحلات وإطعــــام إخوانهم من أهل مكة، ولكن هذا غير معقول عند الجميع؛ فتفسير الآية بهذا المفهوم محال. إنما اضطر القوم لهذه الرحلات لأنهم كانوا يموتون جوعا ،وفاقة ولو أنهم خرجوا من مكة بلا سبب لصحّ الاعتراض على خروجهم، ولكن ما داموا يخرجون في هذه الرحلات لهدف سام فكيف يقال أن الآية تعني: لماذا تقومون بهذه الأسفار، فكُفّوا عنها واعبدوا الله عاكفين هنالك. فثبت أن هذا المعنى لا يصح أبدا، اللهم إلا أن نعتبره خاصا بالعصر النبوي فيقال: لم يكن برحلاتهم بأس قبل بعثة محمد ، أما بعدها فعليهم أن يتركوا مشاغلهم هذه كلها ويصدّقوه ويقوموا بخدمة الدين أكثر من ذي قبل. وهذا المعنى صحيح يقينا، وبالفعل نجد أن رحلاتهم هذه انتهت ببعثة الرسول ﷺ تلقائيا، لأن الله تعالى جعل الناس يُقبلون على الحج إقبالاً عظيما يضمن الرزق لأهل مكة فلم تعد بهم حاجة للخروج منها بحثا عن الرزق. لم يكن التجلي الرباني لأهل مكة كاملاً قبل بعثة الرسول ، لذلك فكانوا يضطرون لهذه الرحلات، أما بعد بعثة النبي فقد تجلى الله تعالى لهم تجليا كاملا، فلم يبق بهـــم أي حاجة للخروج من مكة في رحلات تجارية. إذن، لا اعتراض على أخذ هذا المعنى بهذا النطاق المحدود، حيث نقول إن الله تعالى لم يشجب رحلاتهم ،كلية بل نبههم إلى أنه لا حاجة بهم إليها بعد ظهور محمد ﷺ، وإنما عليهم أن يتركوها وينتفعوا بعهده ويعكفوا علـــى عبـادة الله تعالى. وهذا المعنى يمثل لوما شديدًا للكافرين وثناء عظيما للمسلمين؛ وكأن الله تعالى يقول هنا: إن المؤمنين أيضا يقيمون في مكة وحاجاتهم مثل حاجات الآخرين، ومع ذلك قد انهمكوا فور إيمانهم في تبليغ الحق وخدمة الدين متناسين كل أعمالهم و مشاغلهم، فلمَ لا يفعل غيرهم من أهل مكة مثلهم؟