مقالات قديمة — Page 29
الإنسان لا يقدر بعلمه ومعرفته على حماية نفسه من الإعصار المهلك والمخيف، ولا ينصر الله الرحيم والكريم والمنزه عن كل سهو وخطأ و مطلع على كل شيء) عباده برسالته الشخصية فورا، فكيف يمكن أن نحمي حياتنا نحن العباد الضعفاء من طوفان الهلاك ؟ فمن مقتضى حكمة ذلك القادر ورحمته وربوبيته حصرا أن يخبرنا بين حين وآخر قبل حدوث الطوفان أو الكوارث بمدة معقولة حتى نتمكن من إنقاذ أنفسنا وسفينتنا من الغرق. من الواضح الآن أن الذين يملكون كفاءة كافية لإدراك الحقيقة ويتقنون علم أصول المنطق، سيعدون هذين الدليلين سخيفين وعديمي الأصل قطعا. ذلك لأن قياس "الضرورة" الذي أقيم في كلا الدليلين، والذي عددناه علة لنتيجتنا، لهو قياسنا الافتراضي والوهمي تماما، ولا تؤيده قوانين الطبيعة بل على العكس، نضيف فيه إلى حكمة الله شيئا من عندنا متجاهلين قوانين الطبيعة. ثانيا: لما كانت علّتنا افتراضية فإن النتيجة التي نستنتج منها تكون أيضا افتراضية، إذ تفندها أحداث الطبيعة. فكما أن نتيجتنا عن المثال الأول كانت منافية للواقع، حيث لم تركب في الحقيقة عينان إضافيتان في مؤخرة الرأس، ففي المثال الثاني أيضا رغم أن مئات السفن غرقت إلى اليوم في البحر، وأزهقت آلاف بل مئات الألوف من الأرواح معها، ومع يرسل الله إلى اليوم إلى صاحب أي سفينة رسالة ذكرت في المثال الثاني. كلتا الحالتين لم يكن قياس "ضرورتنا" موافقا لحكمة الله أو قوانين الطبيعة. لذلك لم تصدقه الأحداث من الطبيعة لكونه معارضا لحكمة الله، ففى ذلك لم