مِنن الرحمن — Page 28
۲۸ كما جعل من لون واحد أنواع الألوان، وجعل العربية أُمَّا لكل لسان وجعلها كالشمس بالضوء واللمعان هو الذي نطق بحمده الثقَلانِ، وأقرَّ بربوبيته الإنس والجان تسجد له الأرواح والأبدان، الطبيعة، فلا بد لنا من الاعتراف أن الأشياء التي خُلقت بيد الله تعالى وصدرت منه، إنما أُولى علاماتها أنها تكون في حد نطاقها خادمــــة لمعرفـــة الله تعالى، وتكشف بلسان حالها أو مقالها أن الغرض الحقيقي من وجودها أنهــا تكـــــون وسيلة لمعرفة الله وخادمة لسبيله؛ ذلك لأن إلقاء نظرة علـــى كــل أنـــواع المخلوقات يؤكد أن سلسلة الكائنات كلها مسخرة لتحقيق هذا الهدف بشتى الأشكال والسبل. . أي أن تكون وسيلة لمعرفة الله تعالى وسبله. وحيث إن اللغة العربية صادرة من لدن الله تعالى، فكان لزامًا أن تتوفر فيها هذه العلامـــــة أيضا، ليُعلم يقينا أنها حقا من تلك الأشياء التي ظهرت من الله وحده بـدون جهود البشر. فالحمد لله والمنة، على أن هذه العلامة توجد في العربية بشكل واضح. جدا، فكما أن مفهوم قوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون متحقق بصدد قوى الإنسان الأخرى، فهو متحقق كذلك في اللغـــة العربية أيضًا التي هي لغة الإنسان الأصلية وجزء من خلقته. وأي شك في أن خلقة الإنسان لا تعتبر أتم وأكمل خلقة بدون كلامه، لأن الأمر الذي يكشف جوهر الإنسانية في الإنسان إنما هو الكلام، ولن نبالغ لو قلنا: ليس المراد مــــــن الإنسانية إلا النطق بكل لوازمه فقوله تعالى ما خلقت الإنسان إلا لعبادتي ومعرفتي إنما يماثل القول: لم أخلق الحقيقة الإنسانية - أي النطق والكلام وكل ما فيه من قوى وأفعال تابعة له إلا من أجلي ذلك أننا عندما نفكر لمعرفــــة حقيقة الإنسان ندرك بوضوح أنه حيوان يتميز بكلامه عن الحيوانات الأخرى كلية، مما يدل على أن الكلام هو الحقيقة الأصلية للإنسان، أما قواه الأخـــرى فهي تابعة وخادمة لهذه الحقيقة. لذا فلو قلنا إن كلام الإنسان ليس من الله