مِنن الرحمن — Page 95
۹۵ الله هو الذي فطِن من أول الأمر إلى معان مقصودة، فوضع بإزائها كل لفظ مفرد بأوضاع محمودة، وكذلك سلك سبيل حكمة معهودة، وما كان كالذي استيقظ بعد النوم، أو تنبه بعد اللوم، بل وضع بإزاء كلِّ طَيف معنوي لفظًا مفردا ككوكب دري ببيان جلي، ألا تعرفه وهو أحسن الخالقين؟ أتظن أن الله نسي سبيل الحكمة، أو بطاً به مانع من هذه الإرادة أو ما كان قادرًا على وضع الألفاظ المفردة لإظهار المعاني ،المقصودة، فألجأه عجزه إلى الكلمات المركبة، والتركيبات المستحدثة، واضطر إلى أن يلفّق لها ألفاظا باستعانة التراكيب، ويعتمد عليها لا على الطباع العجيب، ويسلك مسلك المتكلّفين؟ وأنت ترى أن بناء عاقلاً ذا معرفة، إذا أراد أن يبني صرحًا في بلدة، أو قصرًا في جَرْدة، فيفطِن في أول أمره إلى كل ضرورة، وينظر كل ما سيحتاج إليه عند سكونة، وإن كان يبني لغيره فينبهه إن كان في غفلة، ولا يعمل عمل العمين، بل يتصوّر في قلبه قبل البناء كل ما سيضطر إليه أحد من الثناء، كالحجرات والرف والفناء، والمداخل والمخارج للسكناء، ومنافذ النور والهواء، ومجالس الرجال والنساء، وبيت الخبز وبيت الخلاء، وبيت الأضياف والواردين من الأحبّاء، ومقام السائلين والفقراء، وما يحتاج إليه في الصيف والشتاء، وكذلك لا يُغادر حاجة إلا ويبني لها ما يسدّ