مِنن الرحمن — Page 60
واختارت سُبُلَ الفسق والفجور، وترك الناسُ طرق الديانة والأمانة، ورضوا بأنواع الفِرْية والخيانة وقلبوا أمور الدين. يتخذون الجد عبئًا، ويحسبون النبرَ حَبَيًّا، ولا يمشون إلا زائغين. سُلب منهم الفهم الذي يصقل الخواطر، ويدري الجَهامَ والماطر، فبرزوا كالأنعام راتعين لا يعرفون الزمان والوقت الذي قد حان، ولا يسلكون مسلك الحق والحقيقة، ولا يستقرون مفتاح الطريقة، ولا يتدبّرون القرآن منصفين، ولا يستَوْكِفون صَيِّبَ الفيضان، ويتيهون في موماة الخسران كالعمين. يؤذون بحدة الكلمات ولا كحد الظُّباة، ولا يبالون مكانة الصادقين. وإذا قيل لهم لا تفسدوا، واتقوا الله واهتدوا، قالوا إنما نحن أوّل المصلحين. فبما كانوا يكذبون، ولا يتركون الفساد ويزورون ختم الله على قلوبهم، وسقاهم سُمَّ ذنوبهم، فما وفقوا وصاروا من الهالكين. وقد نُصحوا فأكدى النصيحة، ووُعِظوا فما نفَع الموعظة، وما أرَوا إلا عنادًا، وما زادوا إلا فسادًا، وتراهم يَعثَون في الأرض مفسدين. نسلوا مِن كل حَدَب، وصاروا سَبَبَ كلِّ نَدَب، وساروا على نَحْب صائدين. وأشاعوا الفسق والفجور، والكذب والزور، بما كانوا فاسقين. فلذلك ترى أن الأمانة قلّت، والخيانة كثرت، والوقاحة أفظعت والضلالة ضنأت، وكلبة الفسق أجعلت، وبَغِيُّ الشرّ نُسئت، وحامِلُ المواعظ أيتنت، وهجانُ الهُجْرِ