كتاب البراءة — Page 44
٤٤ الأولى لم تقنعه تمامًا، أما الإفادة الثانية فلم يناقشها أصلًا. ثم إن البرهان القوي على بطلان الإفادة الأولى أن "نور" دين المسيحي، والقس "غري" قد صدقا أن عبد الحميد جاءهما أولا، وكان يريد أن يتنصر ويُقيم عندهم، إلا أنهم لم يقدموا له الخبز، فذهب إلى كلارك بتوجيه "نور دين". فالبين الجلي أنه لو كان عبــد الحميد قد أُرسل لقتل كلارك فهل كان واجبًا عليه أن يتوجه أولا إلى نور دين والقس غري؟ كلا بل كان يجب عليه الذهاب مباشرة إلى الدكتور كلارك. بهذا الأمر تتبين حقيقة القضية تمامًا، والقرائن أيضًا تفيد أن هذا الرجل كـــــان مقيماً أولًا في غجرات بصفته مسيحيًا، وكان طُرد من هناك لسوء سلوكه، فرأى من المناسب أن لا يُفصح عن اسمه الأول لئلا يعتذر النصارى عن قبوله، وهذا ما أقرَّ به أيضًا في إفادته الثانية. كان سعادة نائب المفوّض وضابط الشرطة قد أدركا في الحقيقة من البداية بفراستهما أن هذه القضية مزوّرة، أما محمد حسين البطالوي فمن المؤسف أنه صدقها بدافع التعصب والعناد وحسبها مغنمًا لإظهار حقده النفساني، ولذلك جاء إلى المحكمة تأييدا للنصارى في مثل هذه القضية الباطلة والمخجلة، فليبك على تقواه من كان باكيًا. لكن ينشأ هنا بالطبع سؤال أنه لماذا لم يوفّق لقبول الحق هؤلاء المشايخ الذين ظلوا يُلقون الوعظ في الناس مدة طويلة حول التحلّي بالتقوى وكف اللســــان والتدين والأمانة؟ فجواب ذلك أن الله الله لا يظلم أحدا بل الإنسان يظلم نفسه، فسنة الله أنه حين يصدر من الإنسان أي فعل أو عمل فإن الله الله يظهر التأثير الخفي والميزة التي تكمن فيه حتما. فمثلا حين نغلق جميع أبواب الحجرة فيترتب على فعلنا هذا نتيجة من الله أن تُظلِم حجرتنا، ومعلوم أن خلق الظلام من فعل الله ومندرج في قانونه الطبيعي منذ القدم، وكذلك إذا تناولنا كميــــة كافية من السم فمن المؤكد أنه فعلُنا، أما إهلاكنا - نتيجة لذلك فهو فعل إلهي