كتاب البراءة — Page 62
٦٢ كتاب البراءة يركز الإنجيل على قوة واحدة . . أي الحلم والرفق صحيح أن الحلم والعفو في الحقيقة محمود في بعض المواضع لكنه في مواضع أخرى يكمن فيه تأثير ســـــم قاتل. فحياتنا المدنية المتوقفة على اختلاط طباع مختلفة تقتضي بلا شك أن نستعمل جميع قوانا في محلها المناسب. أفليس من الحق أننا بالعفو والصفح نفيد الإنسان الذي أصابنا بأذى فائدةً مادية وروحانية، أما في مواضع أخرى فيزيد استعمالنا لهذه الخصلة من تجاسر المحرم وتماديه في تصرفاته المفسدة. إن طراز حياتنا الروحانية يشبه جدا طراز حياتنا المادية؛ فنحن نشاهد أنــــه بالتركيز على تناول نوع واحد من الأدوية والأغذية لا تستقيم صحتنا، فإذا ركزنا على تناول أشياء باردة لمدة عشرة أيام أو عشرين على التوالي وامتنعنــــا نهائيا عن تناول الأغذية الحارة، فسوف نصاب عاجلا بمرض بارد مثل الفالج أو اللقوة أو الرعشة أو الصرع وغيرها من الأمراض، وكذلك إذا ركزنــــا علـــى تناول الأشياء الحارة حتى شربنا الماء أيضًا ساخنًا، فلا شك أننا سنصاب بمرض حار. فتأمّلوا كيف نهتم ونراعي بين الحار والبارد واللين والقاسي والحركة والسكون في حياتنا المدنية العادية، وكم هذه المراعاة ضرورية لصحتنا الجسدية. فالقاعدة نفسها يجب استخدامها للصحة الروحانية أيضًا، إن الله لم يرزقنا أي قوة سيئة، وليس هنالك أي قوة سيئة في الحقيقة، وإنما يسوء استعمالها، فمثــــا ترون ما أبغض الحسد، لكن إذا لم نُسئ استخدام هذه القوة فهي تُسمى غبطة في اللغة العربية، أي أن المرء إذا رأى أحدًا في حالة جيدة يتمنى أن تتحسن حالته هو أيضا، وهذه الخصلة تُعدّ من الأخلاق الفاضلة. وكذلك هو حال جميع الأخلاق الذميمة، فهي تكون سيئة نتيجة استعمالنا السيئ لها أو الإفراط أو التفريط فيها، أما إذا استخدمناها في محلها وباعتدال فتصير الأخلاق الذميمة نفسها فاضلةً، فكم من الخطأ أن يتم التركيز على فرع واحـــد مــــن شـــجرة