حقيقة الوحي — Page 53
حقيقة الوح أعود إلى صميم الموضوع وأقول، كما قلت من قبل أيضا، إن الوحي الأكمل والأتم من أنواعه الثلاثة هو ذلك الذي يدخل في النوع الثالث من العلم، ويكون متلقيه مستغرقا تماما في الأنوار السبحانية ويسمى هذا النوع من الوحي "حق اليقين". وقد قلت آنفا إن النوع الأول للوحي أو الرؤيا يوصل صاحبه إلى علم اليقين فقط. كأن يرى أحد دخانا في ليلة حالكة الظلام ويستنتج منه على سبيل الظن أنه قد تكون في ذاك المكان نار. وهذا الاستنتاج لا يكون يقينيا قط، لأنه من الممكن ألا يكون ما رآه دخانا، بل قد يكون غبارا يشبه الدخان، أو قد يكون دخانا ولكنه يخرج من أرض فيها مادة نارية. إذن، فإن هذا العلم لا يخلّص العاقل من الظنون، ولا يسبب له أي تقدم، بل إنما هو بمثابة فكرة تخطر بباله فقط. فالرؤى والإلهامات التي يتلقاها الحائز على هذه الدرجة من العلم تكون نتيجة تكوين دماغي معين ولا تصحبها حالة عملية. هذا مثال علم اليقين ومَن كانت هذه الدرجة مصدر رؤاه وإلهاماته سيطر الشيطان على قلبه في معظم الأحيان، وعرض عليه أحيانا رؤى وإلهامات لإضلاله فيعتبر صاحبها نفسه - بناء عليها - مقتدى القوم أو رسولهم ويهلك. وهذا مثل شخص شقي كان من سكان جامون اسمه جراغ دين الذي كان من جماعتي من قبل ولكنه هلك للسبب نفسه؛ فقد تلقى إلهاما من الشيطان أنه رسول ومن المرسلين، وأن عيسى العلة أعطاه عصا ليقتل بها الدجال، وقد دجالا، فمات مع ابنيه في عز شبابه بالطاعون حسب نبوءة سجلتها في كتيب "دافع البلاء ومعيار أهل الاصطفاء". وقرب أيام موته كتب مقالا بصورة المباهلة ونشره بذكر اسمي وقال ليهلك الله مَن كان كاذبا بيننا. فهلك مع ابنيه بالطاعون بتاريخ ٤ نيسان/أبريل عام ١٩٠٦م. فاتقوا ۱۹م. فاتقوا الله يا معشر اعتبرني الملهمين. والحالة الثانية هي كان یری أحد ضوءا من بعيد في ليلة حالكة الظلام شديدة البرودة، ولكن الضوء لا يزيل برده وإن كان يساعده على رؤية الطريق. هذه المرتبة تسمى عين اليقين والعارف الحائز على هذه الدرجة يكون على علاقة الله تعالى نوعا ما ولكنها لا تكون كاملة. وفي هذه الدرجة مع