حقيقة الوحي — Page 123
۱۲۳ لساني وحيًا. ولكن من المؤسف أن الناس لا يدركون حقيقة المكالمات الإلهية، ومتى يقال إن الله يكلم أحدا. بل كثير من الناس يعتبرون إلقاء الشيطان أيضا الله كلام الله ولا يقدرون على التمييز بين إلهام من الشيطان وإلهام من الرحمن. فاعلموا أن الشرط الأول لتلقي الوحي والإلهام من الله هو أن يصير الإنسان وحده، وألا يبقى فيه نصيب للشيطان أبدا لأنه حيثما وُجدت الجيفة اجتمعت الكلاب حتما. لذلك يقول الله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكِ أَثِيمٍ * أما الذي ليس فيه للشيطان نصيب، والذي تخلّى عن الحياة السفلية وكأنه مات وصار صادقا وعبدا وفيا وأتى الله، فلا يقدر الشيطان أن يصول عليه، حيث يقول تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ، والذين هم للشيطان ويكنون في بواطنهم عادات الشيطان، يجري الشيطان إليهم لأنهم فريسته. وليكن معلوما أيضا أن في مكالمات الله تعالى بركة وعظمة ولذة خاصة. ولأن الله سميع وعليم ،ورحيم، لذا يجيب أدعية عباده الأتقياء والصادقين والأوفياء. وهذه المناجاة قد تطول إلى ساعات في بعض الأحيان. فحين يسأله العبد بالعجز والتواضع المتزايد تستولي عليه حالة من الوجد في أثناء دقائق معدودة ويتلقى الجواب في هذه الحالة من الوجد وإذا سأل العبد مرة أخرى استولت عليه في لمح البصر حالة من الوجد ثانية وتلقى الجواب في أثنائها. والله تعالى كريم ورحيم وحليم لدرجة أنه لو سأله العبد ألف مرة لاستجاب له. ولكن بما أن الله تعالى غني أيضا ويراعي الحكمة لذا لا يعطي المطلوب أحيانًا. وإن قيل: كيف يُعرف إذن أن تلك الأجوبة من الله تعالى، وليست من الشيطان؟ فقد رددنا على ذلك من قبل. وعلاوة على ذلك فإن الشيطان أخرس، لا فصاحة ولا طلاقة في لسانه، فلا يقدر كالأخرس- على كلام كثير وفصيح، بل يلقي في القلب جملة أو * الشعراء: ۲۲۲-۲۲۳ الإسراء: ٦٦