حقيقة الوحي — Page 88
۸۸ حقيقة الوحي القدسية أحد من النبيين سواه. وهذا هو معنى الحديث : "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل". مع موسى. أنه كان في بني إسرائيل أنبياء كثيرون ولكن نبوتهم لم تكن نتيجة اتباعهم الموسى العلي بل كانت تلك النبوات كلها هبة إلهية بصورة مباشرة وما كان فيها أدنى دخل لاتباع لذا لم يسموا - مثلي - أنبياء من ناحية ومن الأمة من ناحية أخرى بل سُمُّوا أنبياء مستقلين وتلقوا منصب النبوة مباشرة. ولو تركناهم جانبا وألقينا نظرة على حالة بني إسرائيل لوجدنا أنهم لم ينالوا من الرشد والصلاح إلا قدرا يسيرا جدا. وإن أمة موسى وعيسى عليهما السلام كانت محرومة من أولياء الله بشكل عام، وإذا كان فيهم أحد على سبيل الندرة فهو في حكم العدم. بل معظمهم كانوا متمردين وفساقا وفجارا وعبدة الدنيا؛ لذا لم ترد في التوراة والإنجيل أدنى إشارة إلى قوة تأثير موسى وعيسى عليهمــــا السلام فيهم. بل وصف أصحاب موسى في عدة أماكن من التوراة بالمتمردين وقـــــســاة القلوب ومرتكبي المعاصي والمفسدين. وورد في القرآن الكريم أيضا ذكر معاصيهم أنهم قالوا لموسى بمناسبة إحدى الحروب : ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (المائدة: ٢٥) هذه كانت حال طاعتهم. أما أصحاب النبي الله فقد نشأ في قلوبهم حماس الحب الإلهي وظهر في قلوبهم تأثير القوة القدسية للنبي ، فقبلوا أن تقطع رقابهم في سبيل الله مثل الشياه والخرفان. هل لأحد أن يرينا أو يطلعنا على من أبدوا صدقا وصفاء في أمة سبقت؟ هذه كانت حالة أصحاب موسى. فاسمعوا الآن قصة أصحاب المسيح العلي فأحدهم وكان اسمه يهوذا الاسخريوطي قد سلّمه مقابل ثلاثين قطعة من فضة. أما تلميذه بطرس الذي أعطي مفاتيح الجنة فقد لعنه أمامه. وخذله غيره مــــن تلاميذه في وقــــت عصيب، ولم يصمد منهم أحد بل غلبهم الجبن. أما أصحاب نبينـــا فقــــد صــــمـدوا واستقاموا تحت ظلال السيوف ورضوا بالموت حتى إن قراءة سوانحهم تترك أثرا بالغا في النفوس. ما الذي نفخ فيهم هذه الروح من العشق؟ وأية يد خلقت فيهم تغيرا إلى هذا الحد؟ كانوا في زمن الجاهلية مثل ديدان الأرض ولم يكن هناك نوع من المعصية أو الظلم إلا وقد صدر عنهم، ثم بعد اتباعهم النبي الله جذبوا إلى الله وكأنه تعالى سكن فيهم. أقول صدقا وحقا إنه تأثير هذا النبي المقدس الذي أخرجهم من الحياة السفلية إلى الحياة الطاهرة. والذين دخلوا الإسلام أفواجا ما كان سبب ذلك عائدا إلى السيف، بل كـــان ذلك تأثير الأدعية والتضرعات والابتهالات الممتدة على ١٣ عاما التي قام بها النبي ﷺ في مكة. فصرخت أرض مكة أني تحت القدم المباركة لمن أثار قلبه صرخة التوحيــد حــتى امتلأت السماء بابتهالاته. إن الله غني لا يأبه بهداية أحد أو ضلاله. فنور الهداية الذي ظهر في جزيرة العرب بصورة خارقة ثم انتشر في الدنيا كلها كان تأثيرا لحرقة قلب النبي . لقد ابتعدت كل أمة عن الدين وهجرته، أما الإسلام فظلت عين التوحيد متدفقـــــة فـيــــه.