فلسفة تعاليم الإسلام — Page 64
٦٤ هذه الآية الكريمة تتضمن ثلاث درجات من إيصال الخير، الأولى : أن تُقابل الحسنة بحسنة، وهذه أدنى درجة لإيصال الخير، ويستطيع أن يتخلق بهذا الخلق أي واحد ذو صلاح عادي. . فلا ينفك يحسن إلى من أحسن إليه. أما الدرجة الثانية فهي أصعب منها نيلا، وهي أن يبدأ الإنسان بالحسنة من تلقاء نفسه، وأن ينفع غيره تفضلا منه دون أي حق له. وهذا الخلق وسط بين الدرجتين، وكثير من الناس يحسنون إلى الفقراء، بيد أن هذا الإحسان يشوبه عيب خفي. . وهو أن المحسن تحدثه نفسه بأنه قد أحسن. . فيبتغي على إحسانه كلمة شكر أو دعاء على الأقل، وإذا خالفه المحسَنُ إليه اتهمه بأنه ناكر للجميل، أو حمله أحيانا ما لا يحتمل. . ومن عليه بصنيعه. ولذلك يُحذر الله المحسنين بقوله: لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾ (البقرة: ٢٦٥). . أي لا تضيعوا بالمنّة والإيذاء صدقاتكم التي يجب أن تكون عن صدق، لأن كلمة "الصدقة" مشتقة من الصدق. فإذا خلا قلب المرء من الصدق والإخلاص فلا تبقى صدقته صدقَةً، وإنما تكون عملا من الرياء. وملخص القول: إن في المحسن ضعفا، إذ قد يمن بإحسانه إذا ما أخذته ثورة الغضب، فلهذا حذر الله المحسنين هنا.