فلسفة تعاليم الإسلام — Page 65
غير وأما الدرجة الثالثة من إيصال الخير فقد سماها الله باسم "إيتاء ذي القربى". . وهو ألا يكون في قلب المحسن أي شعور بالإحسان، ولا أي رجاء لتلقي الشكر عليه، بل يجب أن تصدر الحسنة عن دافع الشفقة التي تكون بين ذوي القرابة القريبة، كما تحنو الأم على فلذة كبدها. وهذه هي أسمى درجات إيصال الخير، وليس وراءها درجة. أن الله تعالى قد جعل جميع أقسام إيصال الخير هذه منوطة بمراعاة المحل والمقام، وصرح في الآية المذكورة بكل وضوح أن كل هذه الحسنات إن لم توضع في مواضعها تصبح سيئات. فسيتحول العدل فحشاء. . أي تجاوز الحد لدرجة يُستقبح فيها؛ وسيعود الإحسان منكرًا. . أي ما يرفضه العقل والوجدان؛ ويصبح "إيتاء ذي القربى" بغيًا. . أي أن ظهور عاطفة الشفقة في غير موضعها سيؤدي إلى مواقف مكروهة؛ ذلك أن البغي في الحقيقة هو المطر الذي يتجاوز الحد ويدمر الزروع، أو البغي هو تجاوز الاعتدال في أداء الحق. وبالجملة فإن أي قسم من الأقسام الثلاثة إذا صدر في غير محله كان خُلُقًا سيئًا، ولهذا يُشترط أن يكون كل في محله. وينبغي ألا يغيب عن الذهن هنا أن مجرد العدل أو الإحسان أو الشفقة التي هي كشفقة ذوي القربى لا يكون خُلُقا في حد ذاته، وإنما هي حالات طبعية وملكات فطرية توجد حتى في الأطفال قبل