ينبوع المسيحية — Page 176
١٧٦ ربما تؤدي بهم إلى السعادة، ولكن تكون عاقبتهم أنهم يشربون كأس الممات بكل مرارة وألم ومعاناة تاركين وراءهم كل ما ادخروه. دقيقة وهي فالسؤال الجدير بالتأمل للباحث عن الحق هو: كيف يمكن نيل السعادة الحقيقية التي تنتج عنها راحة وسعادة دائمة؟ والحق أن علامة الدين الحق أن يوصل إلى تلك السعادة المتوخاة. فبواسطة هدي القرآن الكريم نتوصل إلى نكتة أن السعادة الأبدية تكمن في معرفة الله الحقة، والحب الكامل والمقدس والذاتي لله الواحد الأحد، وفي الإيمان الكامل الذي من شأنه أن يخلق في القلب لوعة العشق إن هذه الكلمات الوجيزة قليلة على اللسان ولكن بيان كيفيتها طويل جدا بحيث لا يسعه دفتر كامل. فليكن معلوما أنه لمعرفة الله جل شأنه علامات كثيرة، من جملتها ألا توصم قدرته وتوحيده وعلمه وميزاته وصفاته بوصمة أي عيب أو نقص، لأنه إذا كان الذي يحكم كل ذرة ويتصرف في أفواج الأرواح وهيكلية الأرض والسماء ناقصا في قدراته وحكمه وقواه، فلا يمكن أن يسري نظام هذا العالم المادي والروحاني. الله وإذا اعتنق المرء اعتقادا، والعياذ بالله، أن الذرات وكافة قواها وكذلك الأرواح وكل قواها جاءت إلى حيز الوجود من تلقائها، فلا بد من الاعتقاد أيضا بأن علم وتوحيده وقدرته كلها ناقصة. والسبب هو أنه إن لم تخلق الأرواح والذرات كلها بيد الله، فلا سبب لنا لليقين أنه عمل مطلع على أحوالها الباطنية. وما لم يكن هناك دليل على علمه هذا بل وُجد الدليل على عكس ذلك، لكان ضروريا أن الله أيضا يجهل مثلنا كنه هذه الأشياء، وعلمه لا يحيط بأسرارها الخفية. من المعلوم أنه عندما نصنع دواء ما بيدنا أو يُصنع شراب أو تُصنع حبات دوائية أو عصير لتركيب بعض الأدوية الأخرى أمام أعيننا، فبما أننا قد صنعنا تلك الوصفة بأيدينا نكون على علم جيد بالأدوية ونعرف جيدا أنه دواء كذا وكذا وقد صُنع بوزن كذا لهدف كذا وكذا. ولكن إذا كانت حبات دوائية أو عصير أو شراب دوائي مجهول الكنه ولم نصنعه نحن ولا