ينبوع المعرفة — Page 80
يوجد في الأحاديث تناقض ظاهري إذ جاء فيها من ناحية أن يأجوج ومأجوج ينتشرون في الأرض في زمن بعثة المسيح الموعود، وقيل من ناحية أخرى بأن الأمة المسيحية تكون حينها غالبة في العالم كله كما يُفهم من الحديث: "يكسر الصليب" أيضا أن الأمة الصليبية ستكون في ارتقاء وازدهار في ذلك الزمن. كذلك يفهم من حديث آخر أن الرومان، أي المسيحيين سيكونون الأكثر عددا وقوة في ذلك الزمن لأن السلطنة الرومية في زمن النبي ﷺ كانت مسيحية كما يقول الله في القرآن الكريم: غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ) (الروم: ٣-٤) والمراد من الروم هنا أيضا هي السلطنة المسيحية. ثم يتبين من بعض الأحاديث أن الدجال سيكون غالبا في الأرض كلها في زمن المسيح الموعود وسيحيط بالأرض كلها إلا مكة المعظمة. فليخبرني الآن أحد من المشايخ كيف يمكن إزالة هذا التناقض؟ فإذا غلب الدجال على الأرض كلها أين ستكون السلطنة المسيحية؟ وكذلك أين سيكون يأجوج ومأجوج الذين يخبر القرآن الكريم بعموم سلطنتهم؟ فهذه هي الأخطاء الواقع فيها مكفّرونا ومكذبونا هؤلاء. توحي الأحداث الواقعة بأن هاتين الصفتين أي صفة يأجوج ومأجوج وصفة الدجال موجودتان في الأمم الأوروبية لأن تعريف يأجوج ومأجوج المذكور في الأحاديث هو أنه لا يدان لأحد بقتالهما، والمسيح الموعود أيضا سيلجأ إلى الدعاء فقط. وهذه الصفة توجد في الحكومات الأوروبية بكل وضوح، ويصدقها القرآن الكريم أيضا كما يقول: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسَلُونَ (الأنبياء: (۹۷) أما الدجال فقد ورد في الأحاديث أنه سيستخدم الدجل وينشر الفتنة الدينية في الدنيا. وهذه الصفة مذكورة في القرآن الكريم كصفة القساوسة المسيحيين كما يقول تعالى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ)) (النساء: (٤٧). يتبين من هذا البيان كله أن هؤلاء الثلاثة واحد في الحقيقة، لذلك علّمنا في سورة الفاتحة للأبد دعاء أن نستعيذ بالله من فتنة المسيحيين، ولم يقل الله تعالى أن استعيذوا من الدجال. فلو كان الدجال غيرهم وكانت فتنته أكبر من فتنة القساوسة لما عُلّم في كلام الله - بترك الفتنة الكبرى جانبا - إلى يوم القيامة دعاء أن استعيذوا من فتنة المسيحيين، ولما قيل أيضا بأن الفتنة المسيحية خطيرة جدا تكاد السماوات يتفطرن منها وتخرّ الجبال هدا، بل لقيل بأن فتنة الدجال هي التي تكاد السماوات يتفطرن منها. الإنذار عن فتنة صغيرة وغض النظر عن فتنة كبرى غير معقول كليا منه.