ينبوع المعرفة — Page 384
٣٨٤ باختصار، إن فلسفة النجاة هي أن الذين ينشئون مع الله تعالى علاقة طيبة وكاملة يصبحون مظاهر نور لا يزول ويلقون أنفسهم في نار حبه ويتخلون عن وجودهم كما يتخذ الحديد صورة النار بعد دخوله النار، ولكنه ليس نارا في الحقيقة بل هو حديد وكما تحدث في أحباء الله تغيرات محيرة للعقول بسبب تجلياته كذلك يُحدث الله في نفسه أيضا تغييرات من أجلهم. صحيح تماما أن الله لا يتبدل وهو بريء من كل تغير ولكنه يُري من أجلهم أمورا غريبة وكأنه إله جديد وليس بالإله الذي هو إله عامة الناس، لأنه بقدر ما يتحرك إليه عباده الصالحون بأعمالهم الصالحة والصدق والوفاء وكأنهم يفنون من حيث وجودهم السابق كذلك يتحرك الله إليهم بالإكرام والنصرة فلا يُظهر لهم نصرته وتأييده وغيرته بشكل عادي بل تظهر تلك النصرة بصورة خارقة للعادة. إنه لمن المستحيل تماما ويتنافى مع سنة الله الكريمة أن يُلقي الله في جهنم عبدا يفنى في حبه بكل قلبه وروحه وإخلاصه الكامل. وكما هو مقتضى الحب الصادق فالمحب لا يرى أحدا يساوي حبيبه بل يعتبر كل واحد مقابله كالمعدوم ويستعد لإفناء نفسه في سبيله تعالى، فأنّى لشخص مثله أن يكون مورد العذاب؟ بل الحق أن الحب الكامل هو النجاة بعينها قولوا صدقا وحقا هل لكم أن تلقوا في النار عن قصد ولدكم الذي تحبونه كثيرا؟ فأنى لله الذي هو الحب كله أن يلقي في النار أولئك الذين يحبونه وكل ذرة من كيانهم غارقة في وعل حبه؟ فما من تضحية أفضل من أن يحب الإنسان ذلك الحبيب الحقيقي حتى يشعر بنفسه بأنه ما من أحد أحب إليه وأعز عليه منها في الحقيقة. وليس ذلك فحسب بل يتخلى من أجله عن حب نفسه أيضا ويختار حياة المرارة في سبيله. وعندما يصل نقطة الكمال هذه يكون ناجيا دون أدنى شك. وفي هذه المرتبة من الحب لا حاجة له إلى المرور بدوامة تناسخ ولا إلى صلب