ينبوع المعرفة — Page 276
٢٧٦ رسوم دخول إلى مقام الجلسة وعادوا بعد سماع شتائم بذيئة، ولو كان مكانهم قوم همجيون لسالت أنهار من الدماء أي مسبّة عساها تكون أقذر من أن عدوا حياة النبي غير طاهرة، وسموه مكارا خادعا وميالا إلى الشهوات النفسانية، والعياذ بالله؟! إن جواب الاعتراض المذكور آنفا هو أن الطهارة أو النجاسة أمر يتعلق بالباطن، ولا يسعنا أن نقول عن أحد إنه طاهر إلا بشهادة الله، لأنه لا يعلم أحد سوى الله ما باطن الإنسان إن علم الله تعالى وحده يميز بين الخبيث والطيب. هناك أناس كثيرون يحملون في أيديهم مسبحة طويلة ويلبسون لباس النساك من قمة الرأس إلى أخمصي القدمين ويجلسون على حافة بركة مغمضين عينيهم ولكنهم أشرار وخبثاء ووقحون إلى أقصى الدرجات أما حياة أنبياء الله فتكون متسمة بالبساطة ولا يفعلون شيئا بنيّة أن يُعدُّوا صلحاء ولا يلبسون لباسا ملوّنا بوجه خاص ولا يحملون مسبحة في اليد ولا يختارون هيئة معينة واضعين في الحسبان أن يَعُدّهم الناس أتقياء. ولا يهتمون بأن يحسبهم الناس واصلين إلى الله، بل لا يحسبون أهل الدنيا حتى كدودة ميتة أيضا. إن حب الله تعالى يستولي على قلوبهم إلى درجة لا تعير قلوبهم أي شيء أدنى اهتمام بعد قبول عظمة الله. يرحمون الجميع ولكن لا يعظمون أحدا كأنه شيء يُذكر بعد الله تعالى. ولا يريدون أن يُبرزوا أنفسهم على الناس ويُظهروا لهم طهارتهم الباطنية بل يكرهون أن يشار إليهم بالبنان. يفرون من الشهرة بمقتضى فطرتهم أيما فرار ويحبون أن يبقوا خاملي الذكر، ولكن الله الذي ينظر إلى قلوبهم يراهم أهلا ليخرجوا من زواياهم وحجراتهم ويدعوا عباد الله إلى الصراط المستقيم. فيُخرجهم من الخلوة إلى الملأ قهرا ويجعلهم خلفاءه الله في الأرض ويجذب بواسطتهم القلوب إلى الحق