ينبوع المعرفة — Page 260
٢٦٠ وتجعله ل وراء الوراء وخافيا كليا أعني في المقام الذي يسمى العرش في مصطلح القرآن الكريم- يصبح أسمى من عقول الناس، فلا يسع العقل أن يُدركه. عندها سميت بالملائكة صفاته الأربع التي تجلت في الدنيا وتظهر وجوده عمل الخفي وهي: (۱) الربوبية التي بواسطتها يُكمل الله الإنسان روحانيا وجسديا. فقد ظهرت الروح والجسد للعيان بمقتضى الربوبية. كذلك إن نزول وآياته الخارقة أيضا نتاج مقتضى الربوبية. (٢) إن رحمانية الله التي کلام الله ظهرت للعيان، أي ما هيأ الله تعالى للإنسان من النعم التي لا تعد ولا تحصى دون جزاء الأعمال، فهذه الصفة أيضا تُظهر وجوده الخفي. (۳) الصفة الثالثة هي رحيمية الله، ومعناها أنه يعطي الذين يكسبون الحسنات قدرة على كسبها بمقتضى صفته الرحمانية أولا، ثم يوفقهم لكسب الأعمال الصالحة بمقتضى صفة الرحيمية وبذلك يحميهم من الآفات هذه الصفة أيضا تكشف عن وجوده الخفي. (٤) الصفة الرابعة هي: "مالك يوم الدين". هذه الصفة أيضا تُظهر وجوده الخفي أي يعطي الصالحين أجرا حسنا ويعاقب الطالحين. هذه هي الصفات الأربع التي تحمل عرشه، أي بواسطتها يُعلم وجوده الخفي في هذه الدنيا. وإن هذه المعرفة ستتضاعف في عالم الآخرة فكأنه سيكون الملائكة ثمانية بدلا من أربعة. حاشية: لقد خلق الله تعالى الأجرام السماوية والأرضية كلها ثم أخفى وجوده في مقام وراء الوراء الذي اسمه العرش، وهو مقام خفيّ إلى درجة لو لم تظهر عندها صفات الله الأربع المذكورة في الآيات الأولى من سورة الفاتحة لما عرف وجوده. وتلك الصفات هي: الربوبية والرحمانية والرحيمية ومالكية يوم الجزاء. فهذه الصفات الأربع سميت على سبيل الاستعارة في كلام الله بأربعة ملائكة يحملون عرشه، أي أنهم يُظهرون الله من المقام الذي فيه الله وهو وراء الوراء، وإلا لم تكن هناك وسيلة لمعرفة الله. من منه.