ينبوع المعرفة — Page 186
١٨٦ قدرته وسلب صفة خالقيته. فالفيدا الذي عامل أتباعه وإلهه بهذه المعاملة ماذا يمكن أن يتوقع منه الآخرون؟ بل ينطبق عليه قول الشاعر الفارسي: "ماذا فعلت أصحابك حتى تريد أن تكون نصيرنا، والحق أن الاحتراز مع منك واجب علينا. " والعلامة الأخرى التي بينها المحاضر للكتاب الموحى به هي ألا يكون فيه اختلاف. نحن نقبل أنها علامة ضرورية فعلا للكتاب الموحى به لأنه إذا وجد في الكلام فيه تناقض، وكان تناقضا في الحقيقة بحسب قواعد المنطق المعروفة، فلا يجوز نسب ذلك البيان إلى عالم الغيب البريء من كل خطأ وعيب ونقيصة، لأن التناقض يستلزم أن يكون أحد الأمرين المتناقضين كذبا أو خطأ، والله أعلى وأسمى من منقصة كلا النوعين. ولكن بعض الأغبياء لقصور نظرهم وحمقهم يرون أيضا تناقضا في أمور ليس فيها أدنى تناقض فمثلا إذا قيل: زيد ميت أي ميت روحانيا، ثم إذا قيل: زيد حي أي حي جسديا فلا تناقض ولا تعارض بين هذين القولين لأنهما من منطلق مختلف. كذلك إذا قيل بأن زيد بن خالد رجل شرير جدا، ثم قيل: زيد بن وليد رجل صالح وطيب فلا تعارض ولا تناقض في ذلك أيضا لأن اللذين ذكرت سوانحهما رجلان مختلفان. كذلك إذا قيل: إن زيدا كان في الفلاة صباحا، ثم قيل: إن زيدا كان في البيت مساء فلا تناقض في هذين القولين أيضا لأنهما يذكران وقتين مختلفين. وكذلك إن قيل: إن زيدا لم يسافر إلى بغداد قط، ثم إذا قيل: إن زيدا سافر إلى دمشق، فلا تعارض ولا تناقض في القولين أيضا لأنهما مكانان مختلفان. كذلك القول بأني سأعطي زيدا روبيتين أجرةً بشرط أن يعمل لي طول النهار؛ ثم القول بأني سأعطيه نصف روبية أجرة إن عمل لي جزءا من النهار فلا تعارض ولا تناقض في ذلك أيضا لأن الشروط تختلف. باختصار، ما لم توجد الوحدة في الأمور المذكورة كلها