ينبوع المعرفة — Page 187
۱۸۷ وكان البيانان خاليين من كل نوع من التفريق في الزمان والمكان، فلا يقال بأنهما متناقضان. ولكننا نرى أن الفيدا مليء بهذا التناقض، إذ يحسب الله قادرا على كل شيء من ناحية، ومن ناحية ثانية ينكر جميع الأعمال التي تدل على قدرته وينكر كونه خالق الأرواح والأجسام. وليس ذلك فحسب بل يعلم بوضوح تام اعتقادا أن الأرواح وقواها وقدراتها وخواصها الغريبة كلها جاءت إلى الوجود من تلقاء نفسها ولم يخلقها الله كذلك ذرات الأجسام وكافة قواها وقدراتها خلقت من تلقاء نفسها. فمعلوم كم هو تناقض سافر القبولُ بقدرة الله الكاملة من ناحية، والرفض الكلى الجميع أعماله التي توحى بقدرته من ناحية أخرى. كذلك يقرّ الفيدا من جانب أن الإله منبع كل الفيوض ومصدرها، ومن جانب آخر ينكر قطعا أن هناك فيضا من فيوض الله جاريا، لأنه لما كانت قوى الأرواح وقدراتها كلها، وكذلك الأجسامُ وقواها كلها أزلية ومن تلقاء نفسها، وبناء على تلك القوى تحصل على العلوم والفنون كلها، أفلا يثبت من ذلك أنه ليس للإله أدنى فيض عليها؟ وإن قلتم بأنه وإن كانت تلك القوى من تلقاء نفسها ولكن فيض العلوم والمعارف تأتي من الإله على أية حال، فجوابه أن الإله لا ينزل على الإنسان أيّ فيض من الخير أو الحسنة من عنده بحسب مبدأ الآريين. بل كلّ ما يناله الإنسان من الخير والحسنة والفيض يكون كله نتيجة أعماله. فالمعلوم في هذه الحالة أن ما تلقاه الصلحاء الذين تلقوا الفيدات من الإلهام لم يكن منّة أو لطفا من الله بل كان نتيجة أعمالهم. فما أغربه من إله! إذ لم يخلق الأرواح ولا يستطيع أن ينزل عليها فيضه، ومع ذلك يدعون أنه منبع الفيوض كلها. أليس هذا التناقض الصريح والتعارض في البيان موجودا في الفيدا؟