ينبوع المعرفة — Page 367
٣٦٧ فما وجه أفضليته على عقل الإنسان؟ وكيف يُعَدُّ كلام الله في هذه الحالة؟ فمثلا يقدّم العقل السليم على وجود البارئ تعالى أدلة أن المرء يضطر إلى القبول نظرا إلى الترتيب المحكم والنظام الأبلغ في هذا العالم، أنه يجب أن يكون لهذا العالم خالق حتما. ولكن العقل لا يقدر على أن يُري أن ذلك الخالق موجود فعلا. فإذا كان الكتاب الذي يُعَدُّ كلام الله يهدي إلى ما يهدي إليه العقل السليم فقط فليس في جعبته للتقديم إلا ما قدمه العقل السليم من قبل، بينما كان من واجب ذلك الكتاب أن يثبت كونه متفوقا على كلام الإنسان ومتميزا عنه ليكون وسيلة المعرفة اليقينية. الإنسان يحتاج إلى كتاب إلهامي لسبب وحيد هو أن العقل الإنساني يضطر للقبول بعد أن يتدبر نظام العالم ويرى كيف تجرّ الأجرام الكبيرة عربة العالم نتيجة العلاقات المتبادلة، إذ ينال جرم ضوءا من نجم آخر، ومنها ما يدور حول غيره و لم يحدث فيها أي خلل أو فساد مع مرور مدة طويلة لا تُحصى- أن هناك في الخفاء قوة عظمى يجري كل شيء بمشيئتها وأمرها. وما دام العقل لم ير شيئا فغاية ما يحق له القول بعد تدبر هذه التصرفات بأنه يجب أن يكون لها خالق، وليس أن ذلك الخالق موجود فعلا والفرق بين "يجب أن يكون" و موجود فعلا كالفرق بين الظن واليقين. ومن واجب الكتاب الإلهامي أن يوصل المرء إلى مرتبة "موجود فعلا اليقينية والقطعية من مرتبة يجب أن يكون. وإن اقتصر على كلام يمكن أن يأتي به أي عاقل فطين أيضا، فلا يقوم على كونه موحی به دلیل قاطع ويقيني. ولو قبلناه كتابا موحى به أيضا لكان تعليمه بلا جدوى تماما لأنه لا يستطيع أن يوصل إلى مرتبة اليقين العليا. والجدير بالتذكر أيضا أنه لا بد أن توجد في الكتاب الإلهامي قوة إلهية. أما إذا وُجدت في كتاب الحقائق والمعارف والكلام المبني على المعرفة الجميلة والحكمة