ينبوع المعرفة — Page 368
٣٦٨ والفلسفة فلا يمكن عده إلهاميا بناء على هذه البيانات فقط لأن كل هذه الأمور تقع في دائرة قوى الإنسان كل ما اكتشفه ذهن الإنسان المتقد إلى يومنا هذا إلى حتى أظهر أسرار العلوم الخافية وخواصها بصبغة عملية وأوجد من الأدوات والصنائع ما يترك الإنسان في حيرة من أمره وما كتبه أرسطو وأفلاطون وأبقراط وغيرهم من الحقائق والمعارف الدقيقة من تلقاء أنفسهم وأبلغوا البحث عن النفس منتهاه على قدر زعمهم هل لنا أن تُطلق عليهم لقب نبي أو رسول بناء على ذلك؟ أو هل يمكننا القول عن كتبهم بأنها إلهامية أو كلام الله؟ كلا. الله فالقول بأن كتابا كذا وكذا وجد منذ أزمنة سحيقة وقديمة لذا هو من تعالى أيضا ليس حجة قوية لأنه أولا وقبل كل شيء لا علاقة قط لهذا الادعاء مع كون الكتاب من الله وإضافة إلى ذلك هذا ما تدّعيه أمم كثيرة كما قدمت الادعاء نفسه كتب أنبياء المجوس أيضا. كل من قرأ كتاب "الدساتير" لا بد وأن يعلم جيدا أن كتاب المجوس سبق الفيدا في ادعاء كونه أقدم من الفيدا. أما الفيدا فلا يبلغ واحدا بالألف من القدم مقارنة بالمدة التي يدعيها كتاب المجوس. فأي قاض سيحكم بعد المقارنة بينهما أي الكتابين صادق في ادعاء القدم وأيهما كاذب؟ الله؟ ولو افترضنا جدلا أن كتابا كذا قديم جدا، فهل يثبت من ذلك أنه كلام تذكروا، وتذكروا جيدا أن هذه القضية ستُحسم في نهاية المطاف لصالح كتاب يقدم ميزة فارقة بينة مقابل كلام الإنسان لأنه ما دام فعل الله تعالى، أي تصرفاته العملية، يمتاز تماما عن فعل الإنسان إلى درجة أن خَلْق مِثل ذبابة أيضا يفوق قدرة الإنسان، فكيف يمكن أن يساوي قولُ الله قول الإنسان ولا تكون فيه قدرة من القدرات الإلهية؟