ينبوع المعرفة — Page 263
ينبوع المعرفة ٢٦٣ بتجليه، والذي لا يمكن لعقل الإنسان أن يحيط بأسرار قدرته لكثرتها. فمنذ أن أعطاني الله علما أن قدرات الله عجيبة وعميقة ووراء الوراء ولا تدرك، أرى الذين يدعون فلاسفة كافرين أشد الكفر وأحسبهم ملحدين في الخفاء. لقد لاحظت شخصيا أنني رأيت عديدا من قدرات الله العجيبة التي لا يمكن أن نطلق عليها اسما إلا الخلق من العدم، وقد ذكرتُ بعض الأمثلة لتلك الآيات بمناسبات مختلفة. والذي لم ير هذا التجلي لقدرة الله كأنه لم ير شيئا. لا نؤمن بإله قدراته محدودة بقدر عقولنا وقياسنا ولا يوجد بعد ذلك شيء، بل نؤمن بالله الذي قدراته غير محدودة لا شاطئ لها وهي لا نهائية مثل ذاته تماما. كذلك من أسرار قدرته أنه يخلق من العدم كما توجد أمام أعيننا آلاف الأمثلة على ذلك. فهناك بعض الأشجار التي كلما نضجت ثمارها فكأنها تحولت إلى حشرات ذات أجنحة، ومنها ما يتخلّق في أوراقها كائنات طائرة كبيرة، منها نبات العشر وله أي للخلق من العدم آلاف النظائر لا واحد أو اثنان فقط. فماذا نستطيع القول في هذا المقام إلا أنه الخلق من العدم. وهذا سر القدرة التي لا نستطيع أن ندرك كنهها. وهل من الضروري أن يطلع الإنسان الضعيف على أسرار الله كافة ويحيط بقدراته كلها؟ بل من المفروغ منه أنه لو استطاع العلم، أي العلم الطبيعي، أن يحيط بجميع أعمال الله تعالى العميقة، فهو ليس إلها أصلا. مهما اطلع الإنسان على حكمه الدقيقة لا يساوي ذلك العلم الإنساني مقدار البلل على إبرة إذا غُمست في البحر. ولا غباوة أكبر من القول بأن السبيل مفتوح أمامنا للاطلاع على قدراته الدقيقة كلها. لقد مضت على الدنيا آلاف القرون ومع ذلك لم يطلع الإنسان على حكمه تعالى ولو بقدر بلل رأس شعرة في المطر النازل على المستوى العالمي. إذًا، إن اعتزاز الإنسان بحكمته وفطنته في هذا المقام ليس إلا تباه فارغ وحمق. مع أن الإنسان يسعى منذ آلاف