ينبوع المعرفة — Page 153
١٥٣ يلاحظ في عالم النوم أن أعمال الجسم تبطل كذلك تتعطل الروح أيضا كليا في عن صفاتها التي كانت ترافقها في اليقظة. فمثلا تقابل روح شخص حي النوم روح شخص ميت ولا تدري أنه ميت إذ تنسى هذا العالم فور لجوئها إلى النوم وتخلع لباسا سابقا وتلبس ثوبا جديدا، وتنسى دفعة واحدة كل العلوم التي كانت تتحلى بها ولا تذكر من هذا العالم شيئا وتتعطل عن سلوكياتها إلا أن يذكرها الله، فتتعطل عن صفاتها تماما وتصل إلى حظيرة القدس في الحقيقة. عندها تكون كل حركاتها وكلماتها وعواطفها تحت سيطرة الله، وتكون تحت تصرف الله بحيث لا يمكن القول بأن كل ما تفعله في حالة النوم أو تقوله أو تسمعه وما تقوم به من تصرف تقوم به بخيارها، بل الحق أن كافة قوى الخيار تُسكب منها وتطرأ عليها علامات الموت كاملا. فبقدر ما يصيب الموتُ الجسم يصيب الروح أكثر من ذلك. إنني لأستغرب من الذين لا يتأملون في حالة نومهم ولا يفقهون أنه لو استثنيت الروح من الموت لاستثنيت من عالم النوم أيضا. إن عالم النوم في حكم المرآة لنا لفهم كيفية عالم الموت. الذي يريد الحصول على معرفة حقيقية عن الروح عليه أن يمعن في عالم النوم كثيرا إذ يمكن أن تُكشف كافة أسرار الموت بالتأمل في النوم. إذا تفكرتم في أسرار عالم النوم كما يجب وتدبرتم كيف يصيب الموت الروح في عالم النوم وتنفصل عن علومها وصفاتها لاستيقنتم أن ظاهرة الموت تشبه ظاهرة النوم تماما. فلا يصح القول بأن الروح تبقى بعد فراق الجسد على الحال نفسها التي كانت عليها في الدنيا. بل يصيبها بأمر الله موت كما أصابها في حالة النوم، بل تلك الحالة تكون أقوى من هذه بكثير وتُسحق كل قوة من قواها في رحى العدم، وهذا هو موت الروح. والذين كسبوا أعمالا تقتضي الحياة هم الذين يحيون، وليس بوسع روح أن تبقى حية من تلقاء نفسها. هل تقدرون على أن تسيطروا في