ينبوع المعرفة — Page 152
١٥٢ الوجود من العدم. لا نقول بأن الروح تُخلق من العدم المحض لأن نظام الخلق کله مرتبط بسلسلة الحكمة وسلسلة العلل والمعلولات أما القول بأنه إذا كانت الروح مخلوقة فلا بد أن تفنى أيضا، فجوابه أنه مما لا شك فيه أن الروح قابلة للفناء والدليل على ذلك أنه إذا تخلى الشيء ود عن صفاته سُمِّي فانيا. فمثلا لو زال تأثير دواء ما كليا لقلنا: فني الدواء. كذلك ثابت عن الروح أنها تهجر صفاتها في بعض الحالات، بل تطرأ عليها تغيرات أكثر من الجسم أيضا. وعندما تُباعد تلك التغيرات بين الروح وصفاتها يقال بأن الروح فنيت لأن المراد من الموت أو الفناء هو أن يهجر الشيء صفاته الضرورية؛ عندها يقال إن شيئا كذا قد فني. هذا هو السر في أن القرآن الكريم عدّ حيّة بعد مغادرة الدنيا تلك الأرواح الإنسانية فقط التي احتفظت بصفاتها التي هي الغاية المتوخاة من خلقها، أي حب الله الكامل وطاعة الله الكاملة التي تمثل حياةً للروح البشرية. وعندما ترحل روح من هذه الدنيا ممتلئة بحب الله تعالى وفانية في سبيله تُسمى روحا حية أما الأرواح الأخرى فكلها ميتة. فملخص الكلام أن انفصال الروح عن صفاتها هو موتها في الحقيقة. فحين يموت جسم الإنسان في حالة النوم تموت الروح أيضا معه، بمعنى أنها تهجر صفاتها التي كانت تتحلى بها في اليقظة فيصيبها نوع من الموت، لأن الصفات التي ترافقها في اليقظة لا تبقى معها أثناء النوم، فهذا أيضا نوع من الموت. لأن الشيء الذي ينفصل عن صفاته لا يمكن اعتباره حيا. ينخدع كثير من الناس كلمة "الموت"، ولكن ليس المراد من الموت هو الانعدام فقط بل تنحي الشيء عن صفاته أيضا موت، وإلا فالجسم الذي يموت يبقى ترابه موجودا على أية حال. كذلك المراد من موت الروح أيضا أنها تفصل عن صفاتها، كما من