البراهين الأحمديّة الجزء الخامس — Page 207
البراهين الأحمدية (۲۰۷) الجزء الخامس والأفعال فقط وليس أكثر من ذلك، فيبقى في نفوسهم الناقصة قدر من الرجس مع الله، دون قصد، أي يُعرضون عن اللغو فقط نتيجة إنشائهم علاقة بسيطة ولكن لا يقدرون على ترك ما يشق على النفس تركه، ولا يستطيعون أن يتركوا لوجه الله ما يستلزم ملذات النفس. فتبين من هذا البيان أن الإعراض عن اللغو فحسب ليس بعمل يستحق إشادة كبيرة، بل هي حالة أدنى للمؤمن وإن كانت فوق الخشوع والخضوع بدرجة واحدة. وقد جاءت المرتبة الثالثة للوجود الروحاني بإزاء المرتبة الثالثة من الوجود المادي، وتفصيلها أن المرتبة الثالثة للوجود المادي مذكورة في الآية الكريمة: فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً، هذه هي المرتبة التي يتخلّص فيها وجود الإنسان المادي من النجاسة وتتدرج إليه شدة وصلابة نوعا ما أكثر من ذي قبل، لأن النطفة والعلقة - أي الدم المتخثر - تحتويان على نجاسة خفيفة، وهما ألين وأرق من المضغة قواما، ولكن المضغة وهي قطعة من اللحم- تنشئ في نفسها طهارة، وتكون أغلظ وأصلب نوعا ما من النطفة والعلقة من حيث القوام. وهذه هي حالة الوجود الروحاني في المرتبة الثالثة أما المرتبة الثالثة للوجود الروحاني فمذكورة في الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ. ومعناها أن المؤمن الذي يتخطى المرتبتين الأوليين لا يجتنب لغو الأعمال والأقوال فحسب بل يؤتي الزكاة أيضا دحضًا لرجس البخل والشح الذي يوجد في كل شخص بطبيعته - أي ينفق في سبيل الله قسطا من ماله. وقد سُمِّيت الزكاة زكاةً لأن فاعلها يتزكى من رجس البخل بأداء هذه الفريضة، أي الإنفاق لوجه الله ماله الذي هو عزيز لديه جدا. وعندما يذهب من نفسه رجس البخل- الذي يرغب فيه المرء بطبيعته - يتطهر إلى حد ما، فيحصل له الانسجام نوعا ما مع الله الذي هو قدوس بذاته. من