البراهين الأحمديّة الجزء الخامس — Page 194
البراهين الأحمدية (١٩٤) الجزء الخامس خلق الإنسان نفسه، فكل هذه الأشياء جاءت إلى حيز الوجود نتيجة فيض الرحمانية. ولكن عندما ينزل فيضان نتيجة عمل أو عبادة أو مجاهدة أو تنسك فيسمى فيضان الرحيمية. هذه هي سنة الله الجارية لبني آدم. فحين يختار الإنسان الخشوع والخضوع في الصلاة وذكر الله فإنه يجعل نفسه حينئذ أهلا لتلقي فيضان الرحيمية. فالفرق الوحيد بين النطفة والمرتبة الأولى للوجود الروحاني - وهي حالة الخشوع والخضوع هو أن النطفة تحتاج إلى جذب من الرحم، أما حالة الخشوع والخضوع فتحتاج إلى جذب من الرب الرحيم. وكما يمكن أن تضيع النطفة قبل أن يجذبها الرحم كذلك يمكن للمرتبة الروحانية الأولى، أي حالة الخشوع والخضوع، أن تنعدم قبل أن تجذب إلى الرحيم وتتعلق به. كما ترون أن أناسا كثيرين يبكون بشدة في صلواتهم في بداية الأمر ويظهرون حالة الوجد ويصيحون ويُبدون أنواع الجنون في حب الله، ويُظهرون أنواع العشق، ولكن إذ لم يملكوا علاقة بالله ذي الفضل- الذي يُسمّى رحيما و لم يُجذبوا إليه بتجليه الخاص، فإن تضرعهم وذوبانهم وخشوعهم وخضوعهم كله يكون بلا حقيقة، وفي كثير من الأحيان تزل قدمهم فتصير حالتهم الأخيرة أسوأ من الأولى فهذا تطابق عجيب وشيق. فكما أن النطفة التي هي المرتبة الأولى للوجود المادي ليست بشيء ما لم يجذبها الرحم إلى نفسه، كذلك تماما إن حالة الخشوع والخضوع هي المرتبة الأولى للوجود الروحاني وليست بشيء ما لم يجذبها رحم الله إلى نفسه. لذلك ترون ألوفا من الناس الذين كانوا يحظون في فترة من حياتهم بالخشوع والخضوع في صلواتهم وذكر الله وكانوا يبكون وتغمرهم حالة الوجد، ثم داهمتهم لعنة فمالوا دفعة واحدة إلى الأهواء النفسانية وفقدوا من جراء الدنيا الدنية وشهواتها كل ما كانوا قد وجدوه. فهذا مقام خوف، لأن حالة الخشوع