البراهين الأحمديّة الجزء الخامس — Page 168
البراهين الأحمدية (١٦٨) الجزء الخامس القرآن الكريم، فارتد عبد الله بن أبي سرح على إثر ذلك وهرب إلى مكة'. فلما حصل التوارد بين كلام الله وكلام مرتد، فما وجه الاستغراب لو حصل التوارد بين كلام الله وكلام صحابي جليل الشأن مثل لبيد؟ فكما أن الله تعالى وارث كل شيء كذلك يرث كل كلام طيب أيضا، وكل كلام طيب يخرج لسان أحد بتوفيق منه الله فإذا نزل كلام مثله بصورة الوحي فلا يشك في ذلك إلا الذي يشك في الإسلام نفسه. ومن فضائل لبيد أنه لم يشهد زمن النبي فقط بل شهد عصرا طويلا لترقيات الإسلام أيضا، إذ قد توفي في عام ٤١ من من الهجرة عن عمر يناهز ١٥٧ عاما. كذلك توارد كلام سيدنا عمر القرآن الكريم أيضا أكثر من مرة كما رُوي عن أنس قال، قال عمر: "وافقت ربّي في أربع"، أي أربع كلمات جرت على لساني وقالها الله تعالى نفسها. ولو أردنا ذكر الأولياء الكرام من هذه الأمة المرحومة وأوردنا كلام الآخرين الذي أُلقي على قلوبهم إلهاما مثل إلقاء الأبيات من "المثنوي الرومي" على قلوب البعض إلهاما من الله لاقتضى الأمر كتيبا منفصلا. وأعلم أن من لديه أدنى إلمام بهذا الموضوع لن يقول قط باستحالة التوارد بين كلام الإنسان وكلام الله، بل كل من بل كل من أُعطي نصيبا من علم الشريعة سيعتبر مثل هذا القول كفرا لأن هذا الاعتقاد يستلزم إنكار القرآن الكريم. وفي هذا المقام يطلّ إشكال آخر أيضا برأسه وأرى من المناسب حله، وهو أنه لو جاز التوارد بين كلام الإنسان وكلام الله لقدح ذلك في إعجاز القرآن الكريم. ولكن ذلك ليس إشكالاً قط كما يقول صاحب التفسير الكبير وغيره من المفسرين لأن الإعجاز لا يُبنى على هذا النزر اليسير من الكلام، وإلا فإن انظروا تفسير العلامة أبي السعود على حاشية التفسير الكبير المجلد ٦ الصفحة ٢٧٦ و ۲۷۷.