عاقبة آتهم — Page 140
١٤٠ عاقبة آنهم يا حسرة على علماء هذا الزمان ما بقي فيهم نور فراسة وغاضَ دَرُّ الإمعان، سمعناهم فلا يسمعون، وقريناهم فلا يقبلون، ولا يقرأون كتبي إلا كارهين، ويفرون منا مستنفرين. أنه ثم أنتم تعلمون يا أولي الألباب، أن قوم يونس عصموا من العذاب، مع لم يكن شرط التوبة في نبأ الله رب الأرباب، ولأجل ذلك ذهب يونس مغاضبا من حضرة الكبرياء، وتاه في فلوات الابتلاء، ولذلك سماه الله يُونس لأنه أُوْنسَ بعد الإبلاس، وفاز بعد اليأس، وما أضاعه أرحم الراحمين. فلا شك أن البلاء كله ورد عليه لعدم الشرط في نبأ الرحمن، ولو كان شرط يعلمه لما فرّ كالغضبان، ولما تاه كالمبهوتين. ولما ترك يونس بسوء فهمه الاستقامة والاستقلال، وتحرّى الجلاء والانتقال أدخله الله في بطن الحوت، ثم نبذه الحوت في عَراء السبروت، ورأى كل ذلك بما أعلن ضجر قلبه بالحركة من المقام، وفارق مقره من غير إذن الله العلام، وفعل فعل المستعجلين. وإدخاله في بطن الحوت كان إشارة إلى محاوتة صَدَرَ منه كالمبهوت، وكذلك سماه الله ذا النون، بما ظهر منه حدة وتون، بالغضب المكنون ، ولا يليق لأحد أن يغضب على رب العالمين. فالحاصل أن قصة يونس في كلام الله القدير دليل على أنه قد يؤخر عذاب الله من غير شرط يوجب حكم التأخير، كما أُخرَ في نبأ يونس بعد التشهير، فكيف في نبأ يوجد فيه شرط الرجوع؟ ففكّر بالخضوع والخشوع، ولا تنس حظك من التقوى والدين وإن قصة يونس موجودة في القرآن والكتب السابقة والأحاديث النبوية، وليس هناك ذكرُ شرط مع ذكر العقوبة، وإن لم تقبل فعليك أن تُرينا شرطا في تلك القصة، فلا تكن كالأعمى مع وجود البصارة. واعلم أن الشرط لم يكن أصلا في القصة المذكورة، ولأجل ذلك ابتلي يونس وصار من الملومين، ونزلت عليه الهموم وأخذه الضجرُ المذموم، حتى استشرف به التلف، ونسي كل بلاء سلف، وظنّ أنه من المفتنين. فما كان سبب افتنانه