عاقبة آتهم — Page 125
عاقبة اتهم ١٢٥ الكبرياء، وانتهج على قدر مهجة الاهتداء، على طريق الإخفاء. ثم قسا قلبه بعد الأمن من الفناء، وإن الله لا يعذب خائفين في هذه الدنيا حتى يغيروا سير الخائفين. وإنه أقرّ بخوفه عند أحبابه، وأخبرهم عما جرى عليه في أيام اضطرابه، وكل أمر أخفاه من جمعه، أبداه سيل دمعه، وكل ما ستر من المين، أبدته دموع العين. ومن دلف إليه كالمفتشين، وجده كالمجانين، وخابطا كالمصابين، ورأى أنه يمضي الأيام كيوم حامي الوديقة، ويصيح كضال من الطريقة، ويُزجي الأوقات بهموم وأفكار، كأن التلف استشفّه بآثار . ومن انتهى من أحبابه إلى فنائه، وتصدّى لاستنشاء أنبائه، وجده كمختل الحواس، بادي الإيجاس، وما رآه في فرح، بل في غمّ وترح. ثم إذا انسلخت أشهر الميعاد، وظن أنه نجا، أخفى سر خوفه وما أبدى، ولكنه ما استطاع أن يخفي قرائن إيجاسه، فنحت تأويلات بتعليم خنّاسه، وقال لا شك أني أنفدتُ أيام الميعاد بالخوف والارتعاد، ولكني ما خفت نبأ الإلهام، بل خفت أعداء صالوا علي كالضرغام، فإنهم أغروا علي في مقامي الأول حيّةً مُعلّمةً من أنواع الحيل ورأيتها كالصائلين. ففررتُ على خوف منها إلى البلدة الثانية، لَعَلِّي أعصم من هذه الزبانية، ولكن ما تركتُ فيه كالمؤمنين، بل صال علي بعض رجال مسلّحين. ثم فررت إلى الختن الثاني، فصال العدا كما صالوا قبل إتياني. وإنهم كانوا ملائكة سفاكين، فرأيتهم في كل مقام تبوأته، وفي كل بلد وطأته، ورأيتهم مخوفين، وكانوا يتبوءون الرماح نحوي كالقاتلين. فلأجل ذلك فررت من بلدة إلى بلدة لما خوفوني بقناة وصعدة، ورمح ومَشْرَفَيّة وفحيح تِنّين، وأرادوا أن يَسُمُّوني فاجئين. ولما جشأ جناني كالمخنوق، وهاجت الهموم كالسهوق رأيت أن أُلقي بآخر المقام جراني، وأتخذ أهل خَتَني جيراني، وأُلقي عصا التسيار كالقاطنين. هذه ظنون أظهرها بعد انقضاء الميعاد، وما تفوّه بلفظة من مثلها في الميعاد عند الأشهاد، وما أشاع ظنونه في الجرائد وما أطلع عليه أحدا من العوام والعمائد، بل ما رافع إلى الحكام، وما أخبر حاكما عن هذه الآلام، وأمضى