أنوار الإسلام ضياء الحق — Page 82
أنوار الإسلام وهناك، وتبدو ناعمة ومكسورة وضعيفة ويظن عديم الخبرة أن الفلاح أفسد الأرض الطيبة عبثا إذ لم تعد صالحة للجلوس أو الاستلقاء عليها، غير أن فعل الفلاح العاقل لا يكون عبثا فهو يعلم جيدا أن خيرات هذه الأرض لا تُنال إلا بشقها وتعريضها للصدمات لهذه الدرجة، ثم ينشر الفلاح فيها أفضل الحبوب عند بذره لها. وتلك الحبوب تصير ترابًا تقريبا هيئة ووضعا بالاختلاط مع التراب ويزول لونها ورونقها، إلا أن الفلاح العاقل لا يرميها في الأرض لكونها هيئة عديمة القيمة في نظره. . كلا بل إن لتلك الحبوب قيمةً كبيرة في نظر الفلاح بل تكون غالية ونفيسة جدا في نظره، وإنما يرميها في الأرض لتنتج كل واحدة منها ألف حبة، وتنمو وتزدهر وتتبارك وتنفع عباد الله. فكذلك تماما يرمي ذلك الفلاح الحقيقي عباده الخواص في التراب أحيانا بحيث يمشي الناس عليهم ويدوسونهم بأقدامهم وتظهر ذلتهم من كل وجه، ثم تنبت تلك الحبوب بعد أيام قليلة في صورة خضرة، وتظهر بلون ولمعان غريب ويتعجب منها الناظر. فهذه هي السنة الإلهية تجاه عباده المقربين منذ القدم، أنهم يُلقون في ورطة عظيمة لكن لا ليُغرقوا وإنما ليرثوا اللآلئ القابعة في قعر نهر الوحدانية، ويُلقى بهم في النار لكن لا ليُحرقوا وإنما لتظهر قدرة الله، ويُستهزأ بهم ويُلعنون ويؤذون بأنواع الأذى ويضطهدون ويقال عنهم شتى الأقاويل وتزداد الظنون السيئة فيهم، حتى لا يخطر ببال الكثير من الناس أنهم صادقون بل كل من يؤذيهم ويلعنهم