مرآة كمالات الاسلام — Page 500
٥٠٠ مرآة كمالات الإسلام بالمناظير الحالية. وإن لم تشاهد السماواتُ البعيدة لكان من المفترض أن تشاهد السماء الدنيا على الأقل وهي الأقرب من بينها. فمما لا شك فيه أن صورة العالم العلوي التي رسمها الإغريق ليست صحيحة، وتقع عليها اعتراضات لا يمكن التخلص منها بأي حال. أما حقيقة السماوات التي بينها القرآن الكريم فهي الأصح والأصوب ولا تقوم للإنسان قائمة دون قبولها وكل ما يقال على العكس من ذلك فهو مبني على الجهل البحت أو التعصب المحض. إن القرآن الكريم لا يعتبر السماوات طبقات كثيفة مثل الفلاسفة اليونانيين، ولا يعدّها مثل بعض الجهال قطبا محضا ليس فيه شيء؛ فإن خطأ الشق الأول ظاهر من الناحية العقلية كما قلنا قبل قليل. أما الشق الثاني القائل بأن ليس للسماء وجودا ماديا قط وهي ليست إلا قطبا ،محضا، فيثبت أيضا أنه خطأ محض بناء على الاستقراء؛ لأننا لو أردنا البحث والتحقيق بواسطة تجاربنا الاستقرائية عن الجوّ الذي يتراءى لامعا أكثر مقارنة مع النجوم، لتبين بوضوح تام أن سنة الله أو قانون الله أنه لم يترك أيا من الأجواء خاليا محضا فمَن يخرق طبقات الهواء جالسا في المنطاد يمكن أن يشهد أنه كلما صعد إلى الأعلى في الجو لم يجد جزءا منه فارغا، فمن شأن هذا الاستقراء أن يعيننا كثيرا على الفهم أن تحديد السماء في حدود ليس صحيحا، وكذلك ليس صحيحا أيضا أن المراد من السماء هو الجوّ الفارغ أو القطب فقط ولا توجد فيه مادة مخلوقة. فبقدر ما وصلت تجارب رؤيتنا لم نر قطبا مجردا، فأتى لنا أن نحكم بما يعارض استقراءنا المستمر ونقول بأن بعد هذا الجو المملوء هناك أنواع جو خالية تماما ؟ هل هناك أي دليل ينافي الاستقراء الثابت؟ كلا. فكيف نقبَل إذا وهما لا أصل له؟ وأنّى لنا أن نترك دليلا قاطعا بغير دليل مخالف وغالب؟ هو وإضافة إلى ذلك إن في ذلك إساءة إلى الله تعالى وكأنه كان عاجزا عن الخلق