مرآة كمالات الاسلام — Page 94
٩٤ M مرآة كمالات الإسلام ثم يقول الله جل شأنه بأن هذه الفئات الثلاث محل فضله الكبير؛ أي أن الظالمين منهم أيضا مورد فضل الله وهم أصفياؤه ومحبوبون عنده ، وكذلك حال المقتصدين منهم. الله أما السابقون بالخيرات فأمرهم واضح جلي. ويتضح من هذه الآية أن الله جل شأنه قد عدَّ الظالمين لأنفسهم أيضا عباده الأصفياء ومحل فضله، وعدَّهم من عباده الأحباء والأصفياء والجديرين بالإشادة الذين رضي عنهم كثيرا، مع أن القرآن الكريم زاخر بقول الله جل شأنه بأنه لا يحب الظالمين، ولا يمكن أن يكون الحائدون عن العدل مورد فضل الله تعالى بحال من الأحوال. فيتبين من هذا الدليل بالبداهة أن المراد من حزب "الظالمين" في هذه الآية ليس فئة المتمردين والعصاة والمشركين والكافرين الذين يتركون سبل العدل والحق ويعادون الله تعالى، لأن القرآن الكريم يعُدّ مثل هؤلاء الناس مردودين ومورد غضب الله تعالى ويقول بصراحة تامة بأن الله لا يحب الظالمين والمعتدين الذين يحيدون عن طريق العدل والإنصاف، فأتى لهم أن يكونوا مورد فضل الله، وكيف يمكن أن يسمَّوا المصطفين والمختارين؟ فنضطر للقبول بناء على هذه الأدلة القاطعة واليقينية أن كلمة "الظالم" هنا لم تُستخدم بمعنى مذموم بل استخدمت بالمعاني المحمودة الجديرة بالإشادة وتستحق أن تنال نصيبا من درجة السابق بالخيرات، وهي بمنزلة الأخ الصغير لهذه الدرجة الفاضلة ولا يمكن أن يكون المعنى إلا أن المراد من الظالمين هنا أناس يمارسون في سبيل الله الجبر والإكراه على أنفسهم المعارضة، ويعكفون على مجاهدات شاقة ليل نهار لكبت جماح أنفسهم، لأنه ثابت من اللغة أيضا أن كلمة "الظالم" قد وردت بمعنى النقص فقط ودون أي اعتبار ،آخر، حيث يقول الله جل شأنه في آية أخرى: وَلَمْ تَظْلِمُ مِنْهُ شَيْئًا ٤٩ أي لم تنقص. وإن كبح جماح النفس في سبيل الله ظلمٌ من منطلق هذا المعنى دون أدنى شك. وبالإضافة إلى ذلك لا هم ٤٩ الكهف: ٣٤